تعويذة الرميم 

من هنا رأيتُ الموتَ، الموتَ المغناجَ، الموتَ المخضوضرَ نحو الطفولةِ، في مدنٍ تلتهمُ أيّامي، مبعثرةٌ تلك المدنُ، وقتَ تحجّر الروح في السذاجةِ. وقتَ ينغلقُ الرتاجُ على نفسِهِ ومن هاويات الاضطراب ينبثقُ التوجّس وقتَ لا يكون الرأسُ إلا قفَصاً للدوار ولا يكونُ الجسدُ إلا جرحاً واسعاً 
وقتَ العصافير ثملة بشكلٍ رهيب، 
الخرائبُ تقبّل المداعبة 
وقتَ ستقرقع الذبيحةُ 
الصرخاتُ تتوثب طائشةً طائشةْ 
لم أرَ غيرَ هذا...

الريبةُ في القلبِ تخيطهُ بإبرة من مشهدِ الكون، 
أيَّها الوحلُ، لقد بحثتُ عنكَ دائماً، فآقتربْ، كائناً من تكون، لتشجَّعَ الفجيعةَ أن تهرعَ بتعجّلٍ، والخديعةَ بشحنةِ العزاء تفرض حضورَها السخيف. 
وأنثرْ 
الحمى كي أرى الحيوانات الدنسة ترفعُ مخالبَها الداميةَ، ثم قلْ للطلّسم السريّ أقتربْ، كي نتباعدَ، وقلْ الكآبةُ تشبهُ نفسها، ترى هل تحملُ جوقاتِ الملائكةِ احتضارات الهزيمةِ الشاكية وتستعيد التضرعات لأنّها ستكفُّ عن الولولةَ، وأنتِ يا سورة يأسي، 
لا تكفي نظراتك المتوحشة أن تُرسلَ بريقاً جّباراً يُضيء صمت المباهجِ أو غشاءات الكونِ الوضّاءةِ، يلزمُك أن تصرخي / تتحّدثي عن الرذيلةِ التي تدفعُ الأثيرَ المفجعَ ليبحثَ عن روحٍ تشبهُ، حيث تمحوهُ النبوءةُ ويثبته الغبار 
قل أن الذكرى وهمٌ والسعادة خطأ جميل، 
قل أن العبادةَ لم تَكُنْ سوى ذبيحةٍ تكفيريّة، 
تكلم عن أعجوبةٍ تتجدّد كلَّ يوم. 
الإنسان يستلذُّ بخبثٍ مصائبَ أشباهِهِ. 

الارتعاش يستنزفُ أشياءنا 
رجعُ الصدى خواراتٌ توقظُ العبارة 
ارتعاش في العبارة 
ثَمّةَ حشائشُ في رأسي وأدغال 
من فرطِ الانتباه /
بارداً يغدو التذكّرُ / الشهواتُ الإرهابية تلقي فراغها في عُتْمةِ أوهامي... / يا للسيمفونيات الدمثة 
يا هديرَ الأنغام المؤتلفة فيَّ 
كأَن باباً ينفَتح على الأعماق السوداء – أعماقي البدائية البريئة – 
حيث الضوء لا يقامر بالضياء 
والثكناتُ لا تلبثُ أن تستعيدَ سلطانَها 
والتناقضُ في الذاكرةِ يرتجف 
أيُّها الوحلُ...
أيُّها التناقض...
الصمتُ مصيدةُ الكلام 
لمْ أعد أدّخرُ عيرَ التجلّي والعجز عَنْ ما لا يمكن نسيانه. 

أين أنتم يا مَنْ حاولتُمْ إلغاء الكوابيسِ المهينة؟ 
خلف أيّ انعطافات تختبئون؟!. 
الكلماتُ تنسحب عرفاناً بالجميل. 
كيف عساني أصعّدُ مخابئ الانهيار؟ 

ليسَ بوسعي أن أنفجرَ بالبراءةِ 
ليسَ بوسعي أن أركعَ فوق سهولِ العبارةِ. 


من هنا رأيت الموتَ، الموتَ المغناجَ، الموتَ المخضوضرَ نحو الطفولةِ، في مدنٍ تلتهمُ أيامي، مبعثرةٌ تلك المدنُ، من قبل ان أستطيع البكاء بعيني بكيت بفمي، 
وكنت اركضُ صوبَ الأنقاضِ... 
ارسمُ وجهَ الأرضِ...
ارسمُ الفراغَ...
الصدى...
الجنونَ...
اسكنُ خطوةً تحتضنُ الطريقَ 
وتفتحُ للبرقِ رؤىً. 
وتقدمتُ كالبرص أسيرُ دونما دليلٌ...
حتى تموجَتْ حواسي 
فاتجهت إلى حيثُ تغفو أيائلُ الكلام في محاجرِ ألليلك.
أتكلُّمُ عن ضيائي 
عن التفسّخ يبرعم بالقنوط ويُفشي للذاكرة سرَّ الشرارة. 
وكهوف الدلالة سحابةٌ بلا مطر، ومن الخوفِ تقدمتْ الأدعيةُ الصامتةُ تخيط لي مفاصلي...
لمْ أعد أنتمي إلى جُثتي. تطهرْتُ بالنار كي لا اقربَ الماء، 
لَمْ يعد يُشبهني لا نبيٌّ ولا مهرج 
لكني شبَّهتُ النهاراتِ بكل هذا الاحتقار 
ونزلتُ بالخيال في مضائقَ لا تنتهي 
ما أضيقُ هذي الأرض، 
فأبعد ما فيها سماء، وأقصر ما فيها مدى، كم تُغري بالانغلاق... " هذه الأرض المتجعدة المغبار لاحبلهّا ماءً فأملان بطنها، فاخرجنّ حياة ". 
سأحاول أن أصارح النهاية. 
أني قلبتُ الأرضَ على مائدتي، قلبتها من اليمين إلى يوم الجمعة، ومن السبت إلى الوسادة. 

أيَّتُها الفصولُ 
منْ ينبوعك المقدّس أشربُ أكبر العذابات 
صرنا تماثيلَ للرغباتِ في معبدك الاحتفالي / 
أمطرينا مذابحَ، كي نكتفي بمباهجك السحرية، 
ونحلم بنيزكٍ ما، 
إنَّ المروجَ صالحةٌ للجريمة، 
للحداد، 
للعواصفِ، 
لرتاجِ الندى، 
لكهوفٍ أكثرَ عتمة، 
ولهجوم المأساة بأضوائها. 
نحلم بنيزك ما 
أن رمالَ الدمعِ بلون النسيان 
تبدأ لحظة تهترئ وسائدنا الكئيبة 
لحظة ينزف السرابُ رجالاً بلا ذاكرة... 
أيتها اللحظةُ الهزيلةُ كالحلم 
أسمّيكِ الفراغَ... 
وأنتظرُ احتضاري. 

كيف أستنطقُ أغنيّةً جريحةً...؟ 
أقول لها :_ غريبٌ عنكِ أنا، فتعالي 
يدونك أفتحُ للظلمةِ مغارةً في قلبي 
حيث المحُ تمثالاً من الحزنِ وارفع للسد يم كوخاً من الأسرار 


هذا ما أسميه....
" الفراغ... شكلي وحيرتي ". 

وأنا أطير كالأطفالِ، واحترق بالأبعاد، الأبعاد لغتي ومجمرتي، 
أطالب بالهدمِ، 
بالبرق 
بالحرائقِ مذهولةً 
بالدهشة...
والرفض و الجمر 
لماذا تتخطفني الأبعاد في الضواحي 
لماذا لم تترك الكهوفُ مكاناً للشمس 
اسألُ لماذا الخطواتُ تظلُّ في الرمادِ وتنسى ان تقهرَ المسافة. 
فيكِ نبرةٌ غريبةٌ أيَّتُها التفاصيل، 
اكتملي كالطفولة أو كالصمت. 
نريدك في الذهن لا تمحوك الشرائع. 
لا تمحوك ذاكرةٌ لا تندهش. 
من يَرْشحُ فاجعةً في الماضي ويخترعُ عذابات / 
يحفرُ حفرةً في الأمس ويشيّدُ البراكين في غدٍ. 
ومن ذا الذي يتكلّسُ بالرعب في قوالب النعاس، 
ثم يحفر تحت قناع المخاوف أهداباً مرتجفةً وربما يضمرُ الممكن كي ينقلَ الغابات في الغيوم. 

بفضل الدهاء لمحت الجثثَ والأعضاءَ مبعثرةً في السهل / 
- لقد تمَّتَ المجزرةُ- 
هل يكفي هذا / هل نغسلُ التأريخَ من رأس طفلٍ صغيرٍ، 
كي يحررَ الرأسُ اسطوانَتَهَ من كُتل الهلاك؟ 
هل أقطعُ التضاريسَ برياحي العنيدة / 
وأشتاقُ إلى الضياعِ في الأفقِ. 
أطالب بأضاحي لرقادِ مدنٍ تشمُّ فحمَ الهزيمةِ في حقولِ اصطباري؟ 
هل افتحُ النار على صدري كي أحرق العتمةَ. 
أجمعُ بين رعب يتموّج، 
واجلسُ في ثنايا النارِ عند أسفلِ حزني / 
احشدُ ميراثي في منتصف حياتي 
وبين أجيالٍ تصفّق لحشودِ الخراب.- التفاصيل تتجاهل ما أريد – 
لأن العبارة تلبسنا ثوب المجاهيل، 
تلبسنُا توهج الصحراءِ وكأننا نازعنا السرابَ كي يستحيل غابة / 
- طفلة شريدة ألهبُ مؤخرتها بعصا أفكاري -. 

أنا تواقُ لقرقعةِ الضحايا / لحطام الرعد وهجرةِ الأحلام 
لمكانٍ المحُ منه العالم في صمت النزيف / 
في الخرافةِ بين زوايا العقلِ / وبين انتحار الضوء – ذي القنديل الأزرق – في مدن الآدميين. 

تلبسَنَا السقوطُ وأصداءٌ لنداءات ترسم العصفَ في ثقوب المطر – العبارةُ تلبسْنا مجاهيل تطوعُ الغيب / 
تطوَّع الطرائدَ وتدخلُ سراديبَ الكلمات ذات الخوار الوحشي. 
والنساجُ بالمهاميز ينقشون المتاهَ إذ يختصرُ رنينَ العواصمِ / 
يختصرُ الفضاءَ بالينابيع / 
بالتناسخ. 
يختصرُ البروقَ ويركضُ قارعاً المساءَ، مستنجداً بالصباحات، 
يدحرجُ الحصارَ في مساربِ الجهاتِ ساعة انحسار العواصم بالعويل، 


هكذا
ستدخلُ الأنقاض الحلبة /
تسيَّجُ بالنزيف تخوم بقايانا
فليأتِ البطشُ /
الموتُ له رائحة المرح ووميض الضحك / له هبات نهب الغمامات / وشرانق الوحشة التي لا وحشة بعدها.....

فليأتِ البطشُ
الموتُ يوقظُ الأسلحة.

من هنا رأيت الموت، الموت المغناج / الموت المخضوضر نحو الطفولة / في مدن تلتهم أيامي، مبعثرة تلك المدن، لكني قبل هذا الموت، ألقت الجداول في غيمي شقاءها، فرأيتُ الأفق يدخل أباريق الحشود المسفوكة وتجيء اشتعالات النبوءةِ يابسةَ الحروفِ، وتغتبطُ الغربةُ بأقراطِها المسدولةِ، 
أعرفُ ان المدارجَ تتكشفُ كأنها صهيلُ الندى، أعرفُ 
سلطان خرافة يسيّجُني أمامَ ينابيع الهباء / خرافةٌ في المعدن / 
خرافةٌ في الروح للعراء مع الغبار وأشكاله، 
لماذا تراني أتوج الانتحار بالانتحار / 
المضائقَ بالمضائقَ / صيحاتي ممزقة، 
الذئبُ صوتي / عواءٌ في مخيلتي / وأجراسٌ في الذاكرة. 

أنا في ذهولٍ شيّعتُ نجم العواصم. 
وتركت وحشتي تشيد مدارجَها 
أنا الساخن... 
اُباركُ اشكالاً استعجلتْ مأتمنا، 
لقد أرخيتُ الطعناتِ تحت الحصون / 
ونقشتُ الجيادَ في خنادق العقل، 
وكنتُ أبحثُ عن فريسة تُشبهني / فلَمْ أهتدِ. 

ما الذي يخلد الحوذييّن والصيادلة، يخلد المراثي بغر انق الجسد / 
المراثي تموّجُ بين فرسخ من جروحي وذكورةِ الحضارة، 
أنني هاربٌ من فضاء ارتباكي، 
بلهاث تعلمتُ أن المراثي ليس ما أرهقته الفاجعة / 
هيا معي يا موجُ نكمن للنهار المهرج 
باطلةٌ هذه الشمس التَي تُوقدُ المياه / 
باطلةٌ طبول العراك المضرّج بالعزاء. 

هذه رَموزي طريدة كالوعول... 
هذه ريحي....

لا بأس / 
عانس هي المفاجأة / تشيخ في مخادع المحنة 
لكن الأحقاب تتلمسّ أنهدامها الكوكبي / 
وتمحو الدعابة عن حُلمُات الوقت، 
ربما يلبس الهتافُ مراثيه / يقاسم الأبجدية حطامها. 

- لا بأس 
هذه إشتعالاتي تموّه الانكسارات وتلقنُ البراعمَ هرطقةَ الحجر كي توقظَ بهاءَ الطين في جسدي.

- لا بأس 
هذه إبعادي مهجورةٌ كالعواصم، مترعةٌ بأحلام الأحابيل / 
بالكبريتِ في أسراب العويل / 
بالثكناتِ والمجازر في باحات النشيد. 
من باعد بين هتاف العصفور وبيني؟. 
إي انفجار يترصّد سديمي...؟. 
حيثما خبأت عباراتي... راحت تتغنى بأدوار الفاجعة! 
أنا المطعونُ بالنسيان، سأفاجئكم كالميعاد المطعون بوهن يتكسرَ تحت قوافل الطعنة، ابسطُ لفجاج الماء مواسمي، ابسط للأهوالِ والأعراسِ جنوني. 
لا قداس لاقتراب الخراب. 
وها أنا اربض في شيخوخة العبارةِ تحت نجمِ العناكب، وأدير الصواري صوبَ مكائد القلب، 
فهناك البروقُ تغسلُ الأعماق. 
ابتهجي أيتها الأبراجُ بطلائعِ السلب 
ابتهجي برصاص يهيئ من يتوارث الأنقاض 
ويغتبط بالعويل. 

من هنا رأيت الموتَ / الموتَ المغناج / الموتَ المخضوضرَ نحو الطفولةِ، في مدن تلتهمُ أيامي، مبعثرةٌ تلك المدن، لهذا تتقدمني الآن الفرائسُ وتهتف الفاجعة /الحروبُ بدلَ طفولةِ الغزلانِ / صخب اللبلاب لتهليلِ المهزلةِ / لم أقلْ ان المساءَ مزينٌ بخياشيم الظلام / بنشيج الرماد / ولكي نتوجَ أحلامنا / نلقي انتحارات الغموض في حضوره الطعين. 

لا هباء 
الأشكالُ نهباً للرحيل 
المتاهُ يفتح للخاتمة سراديبَ الرُخام 
الأنينُ يطوّق الجهات 
فليأتِ الموتُ المتّشحُ بهزائمِ المنشدين 
فليأت المحاربُ حاملاً مملكة لم تكتمل 
لا مدائح تتبرج للبسالة / لا صواري تمضخ البحر 
عواصف كبريتية تتعجل التماعات الضجر 
لا مدارج مطمئنة مثل سرة أنثى 
مأدبة المراثي تسرف باستعاراتها البليغة 
العويل وليمتنا 

أنا المعول...
أبارك هذا الخراب.