ناصر مؤنس، المغامرة التائهة

نصير عواد

كلما وقعت عينيّ على كتابٍ عتيق ٍمغبرّ أو مخطوط بهت لونه حتى تملكني إحساس بأني أمام نصب تمثال للقراءة. ربما مبعث ذلك أن الأخيرة غاب عنها عشاقها بعد أن نالتها التجاعيد، وربما هي لهفة للبدايات المقدسة والمتضمنة ثنائية الموت الولادة في زمن توشك فيه رحلة الورق على نهايتها. عموماً فإن صناعة كتاب يدوي في زمن الاكتشافات العلمية المتزايدة يُعدُّ دون مبالغة، مغامرة غير مضمونة النتائج بسبب الجهد المبذول وكمية المنتج المحدودة وغياب الدعم المعنوي والمادي، معطوفاً على السائد من المفاهيم الساذجة التي لا ترى فيه أكثر من فلكلور يحاكي القديم ولا يخرج عليه على الرغم من أنه ( الكتاب اليدوي) لم يذهب مع الأزمنة التي أنتجته، وأشاد هيبته وجماله من بقائه في تحولاتها، واستمر مستعينا بالتطورات التكنولوجية والفنية المعاصرة لتأكيد خصوصيته.

كشوف الحبر.. ناصر مؤنس

دون شك ساهمت الطباعة كثيراً في تطور الكتاب وإشاعة مفهوم القراءة لكنها على الجانب الآخر أنتجت رتابة مهلكة في شكل الكتاب وتوزيع الأبيض والأسود على سطوح الصفحات ما أدمع الكثير من تعقيدات الحياة إلى تسرب الملل لعملية القراءة والبحث عن وسائل أخرى أكثر تشويقاً وسهولة للحصول على المعلومة. فلقد مرت مراحل وأجيال انحسرت فيها أهمية الكتاب على مضمونه فقط، وفي أحسن الأحوال على غلافيه الداخلي والخارجي ولم تشكل الأفكار والمواد المستعملة في صناعته وتزيينه أهمية لدى القارئ . وبما أن الكتاب اليدوي يعتمد إلى حد كبير على المواد المستخدمة في صناعته إلا أن الدهشة تأتي كذلك من كونه إبداعاً لا يستنسخ الآخر ولا يكرر نفسه في زحمة المكتوب والمطبوع. فهنالك كتب يدوية اعتمدت الحفر على الخشب والزنك وأخرى استعانت بالكومبيوتر لتجهيز سطوح الصفحات وغيرها استعملت الأعشاب والعطور والأحبار وكأنها حيرة طفل في ترميم كتابه المدرسي الممزق، يود فيها لو يرمم بيتاً فيوسع شبابيكه ويرفع جدرانه مانحاً الضوء الظل، الأبيض والأسود، مساحة بوسع براءته. الكتاب اليدوي يستدعي قارئاً طفلاً يعشق التغيير الذي يحرر الكتاب من استطالته ويطلقه صوب المربع والمثلث واللاشكل. فهل جرب أحدنا متعة تصفح كتاب دائري أو كتاب خارج الأشكال الهندسية التي ابتليناها، كتاب تثقله المعادن وورق سميك يضج برائحة الزعفران المتسربة من حبر حروفه؟ وهذه المغامرة التي ليس لها أب حي يرعاها تتجلى تفاصيلها في تجربة الفنان ناصر مؤنس عبر مجموعة من الكتب اليدوية التي توزعت بين الشعر والنثر والرسم في عمل دؤوب بعيداً عن الأضواء والصراعات ومفردات السوق إلى درجة يبدو فيها أحياناً وكأنه (مشروعاً) غير قادر على حماية نفسه من التهميش ومن الاقتباس ومن العوز المادي. حين ندعو لكتابة جديدة فإننا ضمناً ندعو لقراءة جديدة. كلاهما يستدعي الآخر. وإذا كان الكتاب اليدوي اليوم يحتل مكاناً هامشياً في حياتنا الثقافية فلأن الثقافة عموماً نالها التهميش وهذا ما نتلمسه في تململ الكثير من الأسماء الشعرية الكبيرة تجلى في الابتعاد عن الأضواء والأسماء، وميلهم إلى إصدار دواوين شعرية بنسخ محدودات مختلفة في الحجم أو الشكل أو مادة التنفيذ، إضافة إلى القصائد الشعرية. وهم بذلك يبغون حلماً قديماً في العودة للبدايات ومحاكاة الأسماء التي لم يستطع مسها النسيان، أو ميلاً لاقتناء التحف أو تنويعا شكلياً يوسع مساحة الإبداع والتجارب الشعرية. وآخر هذه الدواوين (المعنى في الحاشية) للشاعر عبد الرحمن الماجدي الصادر عن دار مخطوطات، ونفذه الفنان ناصر مؤنس.
وديوان الماجدي الذي صدر هذا العام بنسخ ٍ معدودات، مختلف فنياً وشعرياً عن السائد. وخروج كتاب ما عن السائد في شكله ومضمون قصائده وفي مناخ ثقافي رتيب، يُعدّ مصدراً للتوتر وإعادة طرح الأسئلة التي علاها النسيان. فهو يفترض علاقة جديدة بين الكتاب وبين القارئ تتجاوز وظيفة الكتاب المطبوع التي وقفت قرونا ً عند عتبة المضمون. علاقة قد تبدو لغرابتها غير واقعية. فديوان الماجدي يستدين من التحفة الفنية روحها الهادئة والموحية، ونستطيع تعليقه كاللوحة على الجدار، وقد نتخذ من غلافه الداخلي مكاناً لحفظ الملاحظات والرسائل أو يُكتبْ فيه إهداء الشاعر للقارئ.
وإذا وضعته هكذا بين الكتب الأخرى سيكون بمثابة دعوة للبدايات للإقامة في مكتباتنا التي علاها الغبار وسيشكل تنويعاً في عملية ترتيب الكتب التي شابها السكون والتنظيم. لقد اتخذ كتاب الماجدي شكل المربع وهو ما سيؤثر على توزيع القصائد والرسمات على فراغ الصفحات. وبما أن لكل كتاب يدوي من الكتب العشرة التي نفذها الشاعر والفنان ناصر مؤنس ختما خاصا به فإن ختم ديوان الماجدي اتخذ شكل المربع على الغلاف الخارجي تضمن أسم الديوان وأسم الشاعر. المربع هنا هو الصومعة. الاستهلال. شكل المربع الذي يمتلك دلالات رمزية وفلكية واجتماعية لعب دوراً مكانياً مهما في توزيع القصائد والرسمات لإحداث الحركة على فراغ الورق. زادت كثافته في الصفحات الأولى وتكرر بأشكال مختلفة كتجريد ذهني للواحد كي يصبح كل شئ. تكرار يوحي باستمرار الحكاية. مربعات ينفتح أحدهم على الآخر. مربع (إهداء الشاعر) في مطوية الغلاف الأول. يقابله في الصفحة الأولى مربعا يحتوي أسميّ الشاعر والديوان ينفتح بدوره على مربع فارغ يطل على مربع آخر يحمل ختم الكتاب الذي نفذَ بالأخضر والأسود ويعلن عن عنوان القصيدة الأولى.. وبداية الحكاية.

المعنى في الحاشية .. عبد الرحمن الماجدي
الرسمة والقصيدة في ديوان الماجدي هما قطبا الكتاب. وهما معاً يوصلان القارئ إلى عتبة الفكرة .. التيه. ومن النظرة الأولى على سطح الصفحة ستبحث عيوننا عن الكلمات التي تعودنا أن تقود عربتنا الثقافية عبر التاريخ، لكن شيئاً ما سيتكدس خلف الكلمات. إحساساً ما سينمو داخلنا في عملية القراءة . قد يحظر أحدنا في الشعر وآخر في الرسم، إضافة إلى أن الأفكار والمواد والألوان المستعملة في صناعة الكتاب اليدوي قد تدفع ثالثاً إلى إتباع طرق مختلفة في القراءة خارج مسميات الشكل والمعنى والدلالة. فالكتاب اليدوي تستطيع قراءته مغمض العينين. القراءة هنا كلية، خارج أسوار التأمل والتفكر، مستعينة بالبصر والشم واللمس والذوق التي أورثتنا إياه عادة تقليب الصفحات. فشكل الكتاب وتنوع الورق والإخراج الداخلي لا تسمح بقراءة كتلك الحاصلة مع الكتاب العادي إذ لا بد من استخدام كلتا اليدين للاستشعار بلذة القراءة مثل من يبني أو يأكل أو يُحب. فهل كان الأوائل أكثر منا متعة في القراءة وأكثر علاقة بالكتاب؟ بعد أن استعانوا على الزمن بصيانته وتزيينه بالزخارف والمنمنمات والرموز حتى غدت الصفحات لوحات فنية يستعين بها المعنيون بتاريخ الثقافة في تأكيد وتوسيع معارفهم عن طبيعة المرحلة التي ظهر فيها الكتاب.
القصيدة كائن ليس له أبعاد. وحين تزيّن خصرها بالخطوط والألوان فأنها تسوّر نفسها بأسرارهما، وستدفع بالقارئ للبحث عن علاقة مفترضة بين الأدوات وبين الدوّال، بين الرسمات وبين الكلمات. وهي علاقة قد لا توجد في الواقع وقد تنتجها قدراتنا التأويلية في تحويل الرسمات إلى رموز تسرد حكاية النص أو تضيئه من خارجه مستعينة بالعنوان أو بشعرية هذه القصيدة أو تقنية تلك الرسمة. والميل المسبق للبحث عن علاقة ما بينهما يستدعي تأملا منحازاً يطلق أفق التأويل ويخلصه من شكوكه في مسح الحدود بينهما أو أسبقية أحدهما على الآخر. الصمت أعقب الكلمات. لكنهما ( القصيدة والرسمة) لا يسمي أحدهما الآخر أو يحل محله وإن تبادلا (مؤنس والماجدي) بعض الأفكار وأقلق أحدهما الآخر من خلال التشابهات المعلنة بينهما في الشعر والزهد والمنفى
الرسمة والقصيدة يتبادلان التأثر والتأثير. ولو تجاوزنا العلاقة الأولية بين اللون والخط وعملنا الخيال والتأويل والتخريج لوجدنا الكثير من تلك الصلات. فليس عبثاً غياب نظام أو شكل واحد لتوزيع القصائد الرسمات كأن يتمدد سطر واحد على صفحة فارغة إلا من رسمة باللون الأسود لوجه دائم التحديق أو تتوالى صفحات تخلو من قصائد تاركة القارئ محدقاً في فضاء اللون. القصائد التي أرخت بتاريخ هجري نجدها في وسط الصفحة أو على أطرافها وبين الرسمات أحياناً، وقد وزعها الفنان ناصر مؤنس بشكل لا يربك نص الماجدي ولا يعطل من قراءته . وهذا التوزيع انعكس على أرقام الصفحات كذلك. الترقيم اتخذ شكل مربعات مختلفة لبست اللون الأسود ثوباً وتنقلت في اتجاهات الصفحات تارة في الأسفل وأخرى على الجانبين وأحياناً متداخلة مع الرسمة لتغدو مفردة من مفرداتها التشكيلية. تأثيث المكان هنا أخفى في المرئي رموزاً تكدس خلفها وجوداً للبدايات التي صقلتها العيون عبر التاريخ، وأخفى أسراراً تتكشف أكثر بين يدي القارئ المنشغل ( إضافة إلى المضمون) بالأساطير والحفريات والنقوش والتمائم وشواهد القبور التي تم اختصارها إلى رموز ومفردات تشكيلية.
الرسمة التي لها وقع الدهشة على العين المعتادة بناء الشطرين، لعبت دوراً كبيراً في توزيع المكان للحد الذي يسمح به أن تأخذ من القصيدة أو تعطيها. فهي (الرسمة) تريح العين وتنتج حالة من التأمل تخفف على القارئ بلاغة الكلام وكثافة الصور الشعرية وقسوتها أحياناً. وعلى الرغم من قلة قصائد الديوان (المعنى في الحاشية) إلا أن القارئ لا يشعر بذلك. فالقصائد نطقت أكثر من كلماتها المعدودات في حضرة الألوان والرموز. لكننا لا نذهب بعيدً عن عموميات التأثر والتأثير حرصاً على عدم المبالغة في عملية تصنيع التواصل والانسجام باعتبار أن العلاقة بين الرسمة والقصيدة بنية تحتية في عقل الشاعر والرسام والقارئ لا نجزم بوحدتها ولا نرى استقرارها. ولكننا نستطيع الحديث عن العلاقة العضوية بين الرسمة وبين القصيدة في الدواوين الشعرية التي كتبها ونفذها الشاعر والفنان ناصر مؤنس نفسه(هزائم، تعاويذ للأرواح الخربة، كشوف الحبر) إضافة إلى الكثير من القصائد التي نفذت بطبعات تجريبية خاصة تعكس رؤية الشاعر الذي( يقامر بكل ميراثه على طاولات الرسم) .. وهذا موضوع آخر.
وأخيراً فإن لكتاب (المعنى في الحاشية) نهاية. وهو مثل أي كتاب يدوي له حكاية رحلة ثقيلة الخطى متاعها الورق والخطوط والألوان والأفكار التي تعكس مهارة الفنان وحريته. نهاية الكتاب تجلت في رحلة الختم ( المربع ) صوب نهايته. دلالة الاستهلال على الغلاف وفي الصفحات الأولى . وحين تقترب الصفحات الأخيرة يتحرك المربع رويدا رويدا صوب المستطيل الذي هو ربع المربع ونهايته. ثم صمت اللون الأسود. فمرآة الأسئلة.

إيلاف
السبت 3 سبتمبر 2005