تجوال في سراديب من الدهشة والتعاويذ
عدنان حسين أحمد
أقام الفنان ناصر مؤنس معرضا شخصيا في { آرتي شوك } بمدينة رايز فايك الهولندية ، وقد تضمن المعرض خمساً وعشرين لوحة فنية ، بعضها مطبوع على الشاشة الحريرية { السلك سكرين } ، والبعض الآخر محفور على الزنك بالحامض ، وقد تميز هذا المعرض بتنوع مقارباته ، فاللوحة ليست عملا غرافيكياً فحسب ، وإنما تنطوي على تعاويذ متعددة أخذت شكل القصيدة المرئية التي تسعى عبر معجمها اللغوي الخاص لأن تدون رموزها وأوهامها وعوالمها اللامرئية عبر أشكال استثنائية مثقلة بمحمولات بصرية لها مرجعيات رقيمية موشاة بجداول سحرية ، ومدموغة بروح أسطورية تبحث في الغيب ، وتتقى في الماوراء ، مستعينة بالطلاسم الحروفية أو الأشكال الأيقونية التي تختبئ خلف أقنعة هيروغليفية ، عبر هذا المقترب يمكننا قراءة القصائد البصرية التي دونها الشاعر والفنان ناصر مؤنس في معرضه الموسوم ب " صانع التعويذة " .
المرجعيات وفرادة الرؤية
إذا كانت ذاكرتنا الفنية تحتفظ بأسماء مهمة تألقت في عالم الغرافيك أمثال هاشم سمرجي ، غالب ناهي ، رافع الناصري ، ضياء العزاوي ، محمد مهر الدين ، فائق حسين ، صالح الجميعي ، سالم الدباغ ، رشيد القريشي ، مازن سامي ، ويحيى الشيخ ، فأن المنافي الأوربية احتضنت أسماء عديدة واصلت " مشوارها " الغرافيكي ، غير أنها لم تبتعد عن السائد والمكرر بالرغم من توفر أحدث آلات الطباعة سواء على السطوح البارزة أو المستوية أو الساخنة ، وغيرها ك " الليثوغراف " أو { السلك سكرين } أو الحفر على الزنك أو استخدام الكومبيوتر الذي أحدث مؤخرا ثورة هائلة في هذا المضمار ، غير أن هناك أسماء خرجت عن المألوف والمتعارف عليه ، وأسست لها موقعا مهما في عالم الغرافيك ، وناصر مؤنس أحدهم دونما أدنى شك .
ليست لدى الفنان ناصر مؤنس مشكلة في مشاهدة الأعمال الفنية الأصلية ، لكبار الفنانين العالميين ، فهو ينتقل بين العواصم الأوربية بسهولة ، ويمعن النظر في الأعمال الغرافيكية التي انتجها المبدع الأوربي ، بل هو متتبع جيد لأعمال ديرر ، لوتريك ، غوغان ، غويا ، وتابيس ومعظم الفنانين الغرافيكيين الهولنديين الذين تعج بهم صالات العرض في أمستردام ولاهاي وماستريخت وغيرها من المدن الهولندية التي تولي عناية فائقة بالفنون الحديثة ، غير أن ما يلفت النظر في تجربة الفنان ناصر مؤنس هو ذلك الهاجس الرؤيوي الذي ينبثق من الختم السومري ليتلاقح مع آخر مستجدات العصر الحديث ، وهو لا يريد أن يعلن عن موت اللوحة الزيتية أو المائية . ولكنه يحاول أن يوجه عناية الفنانين إلى معطيات اللوحة الغرافيكية وما تزخر به من ثراء على صعيد العلاقات الداخلية التي تكون بنية العمل الغرافيكي بعيداً عن المصادفات التي تنبجس من خارج ذاكرة الفنان ، أو تلك التي تنزلق بعيداً عن زوايا نظره .
قصائد مرئية
القصيدة المرئية ليست ضربا من التنظير أو الفذلكات الآنية التي تنتهي بانتهاء مسببات افتعالها ، بل خطاب بصري جديد يرتكز على حساسية جمالية تستنطق الروحي والخيالي والرمزي وتتكئ عليه سواء اتخذ شكل الرقيم الطيني ، أو المخطوطة الصفراء ، أو الطلسم ، أو غيرها من الأشكال الكمالية كالسجاد والخزفيات والخشبيات وما إلى ذلك . ولو دققنا النظر في تجربة الفنان ناصر مؤنس في هذا المعرض الغرافيكي تحديداً لاكتشفنا من دون عناء كبير شدة تركيزه على التعويذة كفكرة تحاكي الأسطوري ، وتلج إلى فضاءاته معولاً على شكل التعويذة ومدياتها البصرية التي تتفتح أمام الرائي الذي يمسك بمفتاح المتاهة ، ويتأبط خريطة الأمان كي يضمن لنفسه متعة التجوال في سراديب الدهشة ، ثم الخروج إلى الضفة الآمنة .
ورب سائل يسأل لماذا كل هذا الإصرار على التعويذة والبحث في طلاسمها وغيبياتها ؟ . والجواب ببساطة شديدة هو أن الفنان ناصر مؤنس يسعى لأن يخلق هويته الخاصة في أكثر من ميدان إبداعي ، فهو شاعر له بصمات خاصة في كتابة القصيدة / التعويذة أو النص التعاويذي ، كما انه فنان تشكيلي يراهن بقوة على الغرافيك كمعطى معاصر قادر على احتواء تجليات الفنان المبدع والاستجابة لغلواء هواجسه الباحثة في عماء التلاقح الذي يسبق التشكيلات الجنينية الأولى للنص البصري الذي سينفجر لاحقاً بمجرد أن تلامسه أنامل الفنان ، أو تتسرب إليه روح التعويذة ، وقوة الحرز أو غرابة الطلسم .
أصدر الفنان والشاعر ناصر مؤنس حتى الآن مجموعتين شعريتين تتبنيان هذا الاتجاه ، وتخوضان فيه بجرأة نادرة ، حتى باتت القصيدة التعاويذية المرئية تقترن باسمه ، لأنه انقطع أليها ، وبحث في أعماقها ، وأطال النظر في مهيمناتها ، واطمأن إلى شحناتها الداخلية ، فلا غرابة أن نطلق عليه اسم الباحث في أرض غامضة عذراء . أن الاقتراب بمنحى إبداعي معين والمراهنة عليه ليست بالأمر الهين ، لكن الفنان ناصر مؤنس ، هذا الشاعر المحتفي بعزلته ، يحسب خطواته جيداً ، ويحتفل لوحده في اكتشاف أقصر الطرق السرية التي تفضي إلى قلب الغابة المجهول ، أو قلب الدهشة المفعمة برعب المفاجآت ، وحينما يعود من رحلته المسحورة يدعونا للاستمتاع بغرابة طرائده التي التقطتها شباك مخيلته الجامحة . لقد قدم الفنان ناصر مؤنس قصائده المرئية في ديوانيه الشعريين { تعاويذ للأرواح الخربة } و { هزائم } ، ولكنه أراد أن يحرر القصائد من أغلفتها بعد أن يبث فيها ألواناً صريحة ، ممسوقة بذاتها ، فصارت لوحته قصيدة تعاويذية ، مرئية ، ملونة ، راقصة على إيقاع الحدوس الغرافيكية .
فضاءات الشكل
لا شك أن للتعاويذ والرقى والحرز والأدعية لغتها الطلسمية الخاصة المقرونة بالتداخل والتنافر والتقاطع ، كما أن لها رسمها الاستثنائي الخاص ، ولو قيض لنا أن نفتح أحد " البازبندات " لما تيسر لنا قراءتها بسهولة ، فهي تبدو للوهلة الأولى وكأنها شبكة من الأحرف الممطوطة ، الطيعة ، المنسابة والمزوقة بإشارات ورموز ايقونية تقترب إلى حد كبير من الكتابة السومرية أو الهيروغليفية . فنحن ، اذن ، أمام عالم مستغلق يحتاج إلى تأويل ومقاربة رؤيوية ، غير أن تعاويذ ناصر مؤنس هي خطابات بصرية قائمة على مضامين شعرية متصلة تترى واحدة بعد الأخرى وكأننا أمام كرنفال المرايا وهي تسرد لنا بصريا رؤى الشاعر وشطحاته وتجلياته الروحية .
فالتعويذة ليست شكلاً اخرس ، بل هي على العكس حيز متحرك تنطق فيه حتى الفضاءات البيضاء ، فضلاً عن الفيوضات الروحية التي يبثها الشاعر التعاويذي في تضاعيف عمله الغيبي الذي ينشد تأسيس أسطورته الخاصة لم يكتف ناصر مؤنس بهذه المعطيات والعلاقات المكونة لمتن التعويذة ، بل أضاف اليها رؤاه الباطنية ، ووسمها بميسمه الخاص بعد أن مررها في مصفاة روحه ليغربل منها ما يعود للتعويذة ، وما يقترن به كشاعر يتراسل مع متاهات الغيب . وبالرغم من أن التعويذة تبحث في الجذر الطقوسي الديني مضافا اليها اجتهادات صانع التعويذة ألا أنها لا تخلو من تكسرات طيفية تفضح أنا التعاويذي ، وتشير إلى مدارات أفكاره بوصفه كائناً أرضياً ينفصل بين الحين والآخر ليحلق في هالات الحلم القزحي ، ترى هل بإمكان التعاويذي أن يطال حافات المطلق وهو يحوم في مقامات الغيب ؟ . والإجابة على هذا السؤال تستدعي الشاعر لأن يتمترس خلف شحنات المخيلة وتمظهراتها التي تقذف المتلقي في فلك التداعيات التي تتناسل إلى عشرات من الصور المبهرة التي تنطبع في شريط الذاكرة ، أن هاجس الفنان ناصر مؤنس في معرضه الجديد " صانع التعويذة " هو توليد علاقات بصرية جديدة بين القصيدة المرسومة وعين الرائي لأنه يؤمن بأن { الكتابة والرسم متشابهان في جوهرهما } كما يذهب الفنان بول كلي الذي أستخدم الحرف العربي في العديد من أعماله الفنية دون أن يقدم لنا إجابة صريحة عن الأسباب التي دفعته لتوظيف الخط العربي ، ولكنه دونما شك كان يرى في الحروف العربية أشكالاً وتكوينات تنطوي على علامات بصرية عميقة الدلالة سواء في بنيتها التحتية ، أو في جمالية شكلها الخارجي المتحرك .
اذن ، أن " صانع التعويذة " يدعونا إلى إعادة اكتشاف المدونات القديمة التي امتلكت ناصية الجمال ، وتوفرت على شروط فنية يفتقر اليها الحرف الطباعي الأسود الذي يولد ميتاً على صفحة الورقة البيضاء . في فن التدوين نشم رائحة الجهد البشري ، ونلمس العناء الذي خلفته الأنامل الصبورة على ملمس الورقة الصفراء ، في حين تطحننا الحروف الطباعية الخرساء بصمتها الأبدي وتطابقها البليد الذي لا يستطيع أن يفصح الا عن الرتابة والتشابه الممسوخ حد اللعنة . وهنا تجدر الإشارة إلى أن رسم هذه التعاويذ لا يخضع إلى مبدأ المصادفة ، بل هو نتاج تمثل طويل ، وتمعن في أشكال مقصودة مسبقاً ، وأكثر من ذلك أن هذه القصدية تمتد لتغطي مجمل الفضاء المحيط بالقصيدة البصرية وما يكتنفها من رموز وعلامات أيقونية تساهم في إثراء النص التعاويذي وتشحنه بأبعاد أسطورية جديدة . أن هذا النسيج المتشابك من العلامات والنقوش السومرية تفتح أمام الرائي آفاقاً جديدة ، وتحرض مخيلته على الاندياح العفوي الذي يمضي إلى مبتغاه دونما كوابح أو مصدات مفتعلة . القصيدة المطبوعة بالنسبة إلى ناصر مؤنس هي شكل محنط رتيب لا يحتفي بسلطة البياض المحيط بها ، ذلك الحيز المهم الذي يؤطر متن القصيدة ويعمقها ويفجر مضامينها عبر قراءات بصرية متشظية تتوالد من خلال تأسيس علاقات بنيوية جديدة تفضي إلى التأمل دون أن تحول هذا الفضاء إلى شكل زخرفي مجرد ، فالقصيدة التعاويذية تحتاج إلى شروح وهوامش واحالات لكي تضيء متن النص الشعري المرسوم لغايات تسبق الهاجس اللفظي ولكنها لا تتسيد عليه تماماً ، لأن لكل غرض همه ومرتبته ومقامه ، وكما يقول الفنان ناصر مؤنس نفسه أن قصيدة الشاعر التعاويذي هي قصيدة تنشد الغيب في حبرها ، أو هي مرآة لغيب منشود ، لهذا حين يكتب الشاعر قصيدته فهو يكتب بذهنية نحات أو رسام أو فخاري أو بحذق الناسخ الذي يكتب على ضوء المصباح عكس الشاعر الآخر المجرم بحق " مديح الظل " حسب غونيشيرو تانيزاكي الذي يكتب قصيدته في لمح البصر خالية من كل ذوق وانسجام ،
نخلص إلى القول بأن الفنان ناصر مؤنس قد اعتمد طريقة مغايرة في الكتابة تنسف الحدود والمساحات المحنطة بين السطور ، بل انها تقترح صياغة جديدة تذكرنا بالمنمنمات التي تستثمر فضاء الصفحة البيضاء برمتها . وأنصافا لهذا الجهد الاستثنائي نقول أن الفنان والشاعر ناصر مؤنس قد أعاد للقصيدة هيبتها ورد لها بعضاً من سحرها وجمالها المضاع عندما قدمها لنا كخطاب بصري جديد يزاوج ما بين رهافة الشعر ورقة التشكيل .
{ جريدة الزمان – العدد 537 – 1 / 2 / 2000 }