حيل ميكانيكية تجربة جديدة للشاعر ناصر مؤنس



كريم ناصر



موقع جهة الشعر و صحيفة بلاد الرافدين – السنة الثانية العددان 4-5 / 2000 / 2001 





يؤسس الشاعر ناصر مؤنس نصه الشعري الجديد على ثيمة تتشكل بنياتها الأصلية من الحرف العربي ، وذلك لتطويعه كليّة ضمن رؤية جمالية لا تخلو من المغامرة . إنَّ أعماله الشعرية الثلاثة " تعاويذ للأرواح الخربة ، وهزائم ، وقصيدة عزيزي فلليني تعال لرؤية الكرادلة " تدعم موقفنا النقدي هذا . وضمن هذا السياق فقد صدر للشاعر مؤخراً كتاب شعري مصغّر بعنوان " حيل ميكانيكية " بطبعة تجريبية خاصة ، نستطيع أن نقول عن الكتاب : انه جزء من عالم مجموعاته السابقة التي تركز على ميكانيكية الحرف العربي ، بوصفه " وجهاً لجماليات التعبير الأدبي " والذي نعتبره العمود الفقري للنص ، فهو يربط تجربته البحثية عن المتن والهامش والزخرفة والتزويق بالبناء الدرامي ، والعلاقة بين جوهر الشعر والإشراقة في الكلمة وصولاً إلى تركيبات شعرية عالية . إنَّ الصور الشعرية في الكتاب تعكس أفكاراً " تقترب إلى حد الالتحام " بالحرف اللساني الذي يشكل عنصر الإدهاش عناوين لمادته ليصبح بالتالي " أداة إيصال " مفهومية ونسقا من الإشارات ، فالحرف العربي جوهره إبداع إنساني ، تكمن وظيفته التأويلية من حيث هو فن متضمن في النسق وفي آليات التعبير . من هذا المنطلق نرى ان رفع النص إلى مرتبة الكاليغراف – الحروفية – إنما نابع من مخيلة مشعّة ، تمنحنا القدرة على التعامل مع النص بطريقة عصرية ، تتناسب مع وحدة العمل وسماته الأصلية . 

فالنص الذي يشتغل علية الشاعر يبدأ من نقطة انطلاق حروفية تبقى ملازمة للعمل الأدبي وتفرعاته ، لتشكل وحدة متكاملة للتراكيب الأسلوبية ، وهكذا نرى ان انزياح الحرف يقودنا إلى مفهوم رصين يناسب التعبير التقني ، ويفتح أمامنا أفقاً لسانياً ليصنع منه بذلك بنية فولاذية . فالقارئ لا يجد صعوبة في قراءة البنيات التحتية لهذه النصوص ، لو اعتمد على توليف الحرف ورصده بعناية وتميز ، 

انطلاقاً من معايير جمالية. ومن العمق أيضا ان تقودنا هذه المقاربة إلى أسلوبية تمنحنا الإحساس بالابتعاد كثيراً عن النسق السائد ووظيفته الخطابية . إنَّ قارئ قصائد ناصر مؤنس يجد نفسه أمام مبدع يتعامل مع الشعر بحساسية مفرطة ، و " يخاطب الخيال بحدة " بلغة بلورية خالية من الإطناب الشعري ، والتكرار والمبالغة . ولكيلا نذهب أبعد نشدد هنا على البناء المعماري للجمل الشعرية وقيمتها الإشارية ، ولا سيما في التعابير والاستعارات اللفظية , التي تتشكل مضامينها من الحروف أو الكلمات أو التعابير الشعرية ... 

صفوة الكلام يمكننا القول أخيراً ان الشاعر ناصر مؤنس استطاع أن يحرر نصه كلية من ربقة التقليد الذي يعتبر خصماً لدوداً لما نسميه النص المفتوح .