كتابة ناصر مؤنس المرئية
تنوي الشعر وتقترب من التشكيل
محمد مظلوم
مع مجموعتي ناصر مؤنس " هزائم " و " تعاويذ للأرواح الخربة " تنعطف الكتابة بعيدا عن الكلام والمتداول الشفاهي لتتجه إلى مراجعة ذاتها ، وتحل في نفسها ، معلنة عن الكتابة داخل الكتابة ، لتصبح هذه المراجعة أو هذا الحلول ، وسيلة وغاية في المستوى ذاته ، إذ يحاول ناصر مؤنس عبر القصيدة ان يشكل الجسد ، جسد " القصيدة " والجسد بذاته محققا بذلك شعرا مرئيا لا بتشكيله المألوف فحسب بل وبشكله اللامألوف أيضا ، يصبح شكل القصيدة أو جسدها تعبيرا آخر عن مضمون أو روح خفية تسعى إلى التحقق عبر الكتابة .
لا يمكن وصف مقترح ناصر مؤنس بأنه مغامرة شكلية أو تجريب حر وحسب ، لان في ذلك اختزالا حكميا إزاء هذه التجربة ، فهي بالفعل تجربة تسعى إلى التأسيس بل أنها تنطلق أساسا من متحققات كبرى نجد بوادرها وجذورها سواء في كتابات المتصوفة أو في التراث الحروفي الإسلامي ، مستفيدة ، كذلك ، من نزعات السوريالية ، والتشكيلات البصرية ، بأشكال شعرية ، تجمع بين حداثة التجريب وأصالته .
على ان هذا الانهمام الشكلي لا يأتي على حساب الانشغال بالمحتوى ، بل يسهم في إنجاز هذا المحتوى ويهتم بإنشائه بما يقدمه من هوية للحرف خارج كونه مجرد أداة توصيلية ، ليجرب كشف طاقات الحرف الكامنة ، في تشكلاته المتعددة وفيما طرأ عليه من مؤثرات على وفق سياق وجوده في المحتوى . وكذلك على وفق موقعه في إنجاز الشكل .
يقدم مؤنس عبر كتابيه ، نموذجا حيا " للكتاب الشعري " المشغول بعناية وحرفة شاملة ، تبدأ من شكل العنوان على الغلاف ، الذي صممه الشاعر ، إلى آخر كلمة على الغلاف الأخير الذي يشكل نموذجا لاحد الأشكال الداخلية في الكتاب ، كل ما في الكتاب من شغل الشاعر ، اذ لا أثر للتكنولوجيا أو حروف الكومبيوتر ، ليس ثمة صف آلي للحروف ، بل فضاءات مشحونة بانفعالات اليد لحظة التدوين ، لكأن ناصرا يريد إعادة الاعتبار الإنساني للشعر الضائع في اجتهادات الآلة وضرورتها .
من هنا يذهب إلى الاستفادة من روح المخطوطات لكأن كتابه " مخطوطة " على القارئ ان يجتهد في تحقيقها وبهذا المعنى فهي تجربة غير معزولة عن تجارب لاحقة في مقاربة الشعر من الشكل ، والحروف من الخطوط ، تجارب تمتد إلى كتابات المتصوفة وتتصل بتجارب حديثة لدى محمد سعيد الصكار ، وعمران القيسي ، لكن ما يميز تجربة ناصر ، أنها لا تنحاز إلى تقنيات الحرف وجمالياته المجردة ولا يتقصد إنجاز " شكل " ما عبر تجربته ، بل يوظف ما يتاح له من عناصر فنية لصياغة " خطاب " فني لا ينقطع عن مبناه الجمالي .
وستبقى افتراضاتنا هذه في حدود الاحتمالية ، طالما ان كتابة ناصر مؤنس تستعصي على " النقل " من شكلها ، ولذلك فان استشهادنا بمقاطع من الكتابة يشبه إظهار النكتف لصورة ما ، أو كمن يقتطع جانبا من تلك الصورة ويطلب منا التعرف على كامل الصورة ، ومع هذا فان كتابة ناصر لا تخلو حتى بإيرادها المنقوص من جمالية وشاعرية واضحة :
" كم موتا في ثيابي وكم حرقة أليها أهفو كي توقظ قلبي الشهيد ، وتنشد الصليل وتمحو القداس وأنا لا أزال أختار الصارية ، وها أنا اصرخ : أنت أيها المجد قناعي ، أنت رنيني وأنت ميراثي أنا من سيقامر ويحصي مهازل غير منتظرة ، اشيع الهزائم بحرا فوق خشبة ، ولست أخشى المناجل لست أخشى الهزائم لست أخشى الجهات " – هزائم – هذا الشكل الكتابي غير المعهود أو النادر تحديدا ، سيترك اكثر من اثر واكثر من علامة ، وسيجد من يرى فيه " بدعة " سرعان ما تصل إلى نهايات معروفة ، وثمة من سيجد فيه " نزعة " فردية غير متأصلة ، وسيجد من يرفضه اجمالا وقد يحكم عليه بأحكام قاسية اقلها وصفه بالتخريب .
لكن كتابة كهذه لا ينبغي النظر أليها بمعزل عن افقها الذي تسعى أليه ومشكلتها التي تنطلق منها الحرية .
فهذا الشكل الكتابي يؤكدعلى الحرية الغائبة ويذكر بها ، ففي حين ينشدها في تعدد المقترحات الكتابية ، فإن هذه المقترحات تصبح في الوقت ذاته " مأوى " للحرية و " ملجأ " لها ، ان الشكل هنا بناء محكم ودقيق لحماية الذات وحريتها من " عبودية الآخرين " لكنها حماية تستعبد الذات أيضا ، وهنا المفارقة فالحرية التي يريد الشاعر تحيتها في أناشيده هي حرية " خائفة " ومهددة ، ولذا فهي " تأوي " إلى الذات ، وتلمح إلى نفسها من " النوافذ " أنها حرية معتقلة ، ومن اجل هذا فهي تتجه على صيغ التعاويذ والرقى و " السحر " والمخلوقات التي تشبه " كتابة سومرية " فقط لتحافظ على امتدادها .
يقول في " هزائم الصحراء " ص 20 .
" على ماذا نرهن ؟ زنابق ليست لنا ، صهيل ليس لنا ، على ماذا ؟ حين تكون الجذور خوفا وقيدا ، منفى جديدا ، اذن فلنكن طرقا كاذبة واقفالا تخون ، فلنكن هيكلا من طين وطاحون هواء ، فلنكن من نكون " .
وستفيدنا الإشارة التي ترد في بداية كل كتاب حيث كتبت " التعاويذ " عام 1984 والهزائم عام 1986 وكلاهما في بغداد ، ستفيدنا في تأكيد تلازم الواقعة / النص في هذين العملين المحكومين بشرط التاريخ المكان ، ليمثلا شاهدا وشهادة لعصر ذي وقائع قلقة حقا .