غرائبية المحاولة في " هزائم " و " تعاويذ " ناصر مؤنس
الشيء ينطق بما ليس مؤهلا له
علي سفر
القدس العربي – 11-12- 8- 1996
قد لا تذكر تجربة ناصر مؤنس في كتابيه لنصه الشعري وفي شكل تدوينه له بالتجارب السوريالية في بدايات القرن فقط بل لعلها تتجاوز هذا الأثر أو ذاك لتذكرنا مفهوم أساسي في عملية إنشاء الأثر الفني هو مفهوم الضرورة أو الحاجة التي تدفعنا إلى اختراع الشكل المناسب لدفق خطابنا . وتجربة ناصر مؤنس في كتابيه أو ديوانيه " هزائم " و " تعاويذ للأرواح الخربة " لا تتوقف عند هذا المفهوم لتضعنا في مراجعة تساؤليه حول جدوى محاولته لاختراع أشكال مختلفة لتدوين الشعر بل أنها تدفع بنا لمناقشة الشكل الراهن في تدوين الشعر وطباعته ومن قبل هذا وذاك شكل كتابته ، اننا قبل الشروع في محاولة قراءة بنية نص ناصر مؤنس الشعري نجدنا منساقين وأمام غزو الشكل الغريب للمدونة الشعرية لديه نتساءل ذلك السؤال الذي قدمه جونيشيروتانيزاكي في كتابه الجميل " مديح الظل " عندما تحدث عن إمكانية تطور الأشكال الخاصة بالشعوب في كل تفاصيل حياتها اليومية بنفس الدرجة من التسارع وعن احتفاظ هذا التطور بكل المزايا الخاصة والصفات المميزة لهذا الشعب أو ذاك ... هل كنا سنجد أنفسنا مستعمرين من قبل شكل مهيمن وسائد كالقلم الأوروبي مثلا ... أم أننا كنا سنكتب اليوم كلماتنا بقلم متطور ما زال يحتفظ بشكل الريشة التي كتبت بها أجدادنا الآلاف المؤلفة من مخطوطاتهم ؟ .هذا السؤال وحده – برأينا طبعا – هو ما تقودنا أليه محاولات ناصر مؤنس الغرائبية في تشكيل النص .
يفتتح ناصر مؤنس قوله في " هزائم " مجموعته الأولى برشق وصفي للهزائم الكوكبية كما يسميها فيقول ... أيتها الهزائم . يا هزائم ، أيتها الهزائم المهزولة ، أيتها الهزائم البلهاء ، أيتها الهزائم التي لا غد لها ... ص – 5 – فإذا ما تناسينا الخطابية المباشرة لقوله والتي يفضحها العنوان لا على مستوى مفتتحه فقط بل على مستوى الديوان كله . فأننا لا بد سنتوقف أمام الشكل الذي توضعت به جمل النص وكلماته فهو شكل رجل يحمل ما يحمله وتحت وطأته يتثاقل إلى الدرجة التي يبدو فيها وكأنه ظل حقيقي خرمته الشمس حين تطعن بأشعتها الحادة . هذا الشكل ذاته يتكرر مرات متعددة وبعدة تغييرات . بما يتناسب مع الكلمات المندفعة في النص . تارة إلى اليمين وتارة إلى اليسار حيث شكل وعاء أفقيا وعاموديا للنص الذي يفقد اتصاله بشكله المتكرر ولا سيما حين يختتم النص بقول فجائعي " باطلا طغى النسيان على ضراعتنا ، باطلا نسمي أنفسنا موتا قابلا للشفاء . ارم أيتها الهزائم وداعتنا المذعورة بنصالك الرؤوفة بالطعن . سرعان ما نتجانس والفرائس " ص – 9-10 – وفي " هزائم الصحراء " ثمة رجل مستسلم يرفع يديه مستنجدا ليفقد في الختام رأسه " لكننا النطفة البدوية ، سنعدو مثل رحيق الأنقاض نحو اعتدال الطعنة . المأتم : مباهج لنا ، وخلاخيل هزائمنا الصحراء " ص 14.
ووفقا للتشكيل ذاته ولتشكيلات أخرى غير مختلفة تتدافع الهزائم الكوكبية والصحراوية والخفية والمستمرة والخاصة لينتهي قول ناصر مؤنس بهتافات تخرج عما يؤطرها من كوادر معلنة بهندستها محاولة الشاعر الخروج بخطابه على محض الفجائية اللابسة لقوله ... فها هو يهتف هتافا طائشا مرة وهتافا برنين مرة ثانية وهتافا يلبس وجه الشمس وهتاف حلم وهتافا كالصرخة . وفي هذا الأخير نقرأ قول الشاعر " سنأتي ... سنأتي يا هزائم ، كقذيفة تغسل الحاضر بالدعابة ، قاذفين إياه في طوق المراثي ، تاركين إياه برعب ومهابة " . أما المجموعة الثانية " تعاويذ للأرواح الخربة " فأنها تبدو اشد التصاقا من سابقتها بالفني وبالشعري في ان معا بما يجعلها اكثر بوحا من " هزائم " التي تختصرها الفجائعية . في هذه المجموعة تعيدنا كتابة ناصر مؤنس إلى عفوية الخط العربي المقرون دائما بما يجعل منه شبه أيقونة لا تعبر الا عن ذاتها فيقول " أثق بالمخلوقات التي تشبه كتابة سومرية { هذا } يقيني الذي افترسته التفاسير " ص 5 ويجعل من هذا القول إطارا لختم كتابه الذي بحيلنا ألي أشكال الحروف السومرية والى كل ما يمكن ان يتداعى في الذاكرة من معالم خاصة بالكتابة الكنعانية العربية القديمة ، فإذا كان ناصر مؤنس يفرد خطابه على تعاويذه وهي على التوالي : تعويذة الرميم " و تعويذة الزلزلة " و " تعويذة الرفائيم " و " تعويذة الأخيلة " { رؤيا دانيال } و " تعويذة الجفاف " و " تعويذة الكائن " فانه يسند هذه البعثرة الحروفية للكلمات الحاملة لخطابه بمراثي خاصة بكل تعويذة لا تأخذ شكل الحروف ولا الكلمات بل شكل اللوحة الأولى بكل ما تعنيه كلمة " الأولى " من بداهة وعفوية حيث يمتزج الشكل المرسوم بالحبر الصيني بحروف تشكل خلفية للأساسي والمتقدم في اللوحة وهكذا فأن ما يبغي الكلام إيصاله في المراثي يحل في التعاويذ وما تحمله التعاويذ من دلالات ميثيولوجية ونفسانية..الخ يحل بدوره في المراثي .
ان هذا الإبدال في الوظائف التقليدية لكل من المجموعتين أي التعاويذ والمراثي يوصلنا إلى غاية أساسية في خطاب ناصر مؤنس الفني وهي إمكانية جعل الشيء ينطق بما ليس يحمله أولا وبما ليس مؤهلا ان يقوله ، وعليه فأن البحث في قوله الشعري ان تمكنت العين من متابعة لا بد سيكون محفوفا بضرورة متابعة الشكل الحركي للخط .. ولعل ما يقوله الشاعر في " تعويذة الزلزلة " إنما تماما إلى ما يستر رغبته في إنشاء فعل جديد في عملية البناء الشعرية إذ يقول :
روض صهيلك يا جسد / كيف لم يتبين لك ان الخطوات هي خطوة واحدة / وان خطوة واحدة هي خطوات عدة / خيلاء لا تزال خطى الآدمي / اضرب بصرخاتي الصاعدة الصاعدة / فلتتقدم الذبيحة متقمصة جثة منفوخة / بالمتحرك لا الساكن / المستمر لا المتدحرج / بالمعتاد لا المنقاد / بالمخالف لا المحاذي / بالماضي لا الثابت / بالسريع لا البطيء / بالتبدر لا السواد / ص 39 تجربة ناصر مؤنس على ما تحمله من تأويلات متعددة وقراءات متناقضة تقدم إمكانية صاحبها وتدفع به نحو صف المجربين رغم اتساع المعاني التي تتحملها كلمة التجريب وعليه فأنها لا بد ان تقرأ وبأدوات كل عين قراءة واعية لا سبقية وغير متبنية في آن معا .