معالجات الأسطورة في الشعر
المنحى البصري في التكوين الدرامي للقصيدة
عدنان حسين أحمد
الزمان –السنة الرابعة –العدد880 الجمعة 5 محرم –2001 م
لم يعرف جيل الثمانينيات في العراق شاعرا مسكونا بهاجس المغايرة والاختلاف مثل الشاعر ناصر مؤنس – المقيم في هولندا حاليا- والمتتبع لتجربة هذا الشاعر المجدد سيكتشف حجم المعاناة التي يبذلها الشاعر من أجل ترسيخ جديده ، واقناع المتمرسين خلف الذائقة الجمعية التي تتصدى في أغلب الأحيان لكل مظاهر التجديد التي تبتغي كسر الإيقاع التقليدي الذي تتسم به القصائد ذات الطابع الكلاسيكي شكلا ومضمونا .
أي ان مغامرة الشاعر ليست مغامرة رومانسية يتجول فيها بين حقول الورد وانما هي رحلة محفوفة بالمخاطر والتوجسات ، لكن الشاعر لفرط ثقته واعتداده بمشروعه الشعري الجديد الذي بدأه منذ أوائل الثمانينيات ، الفترة التي أنجز فيها مجموعتيه الشعريتين الموسومتين ب " تعاويذ للأرواح الخربة " و " هزائم " واللتين أرجا إصدارهما إلى عام 1996 بسبب رفض سلطات القمع الثقافي في العراق ان تنشر هذه النصوص الجديدة بحجة تشويهها للحرف العربي الجميل .
أذن ، ثمة أشكال كبير ينطوي على نسف السائد من القوالب والأشكال التي تدون فيها المضامين الشعرية الجديدة هي الأخرى ، غير ان صدمة الشكل كانت كبيرة ومذهلة . فالشاعر ناصر مؤنس هو فنان وسينمائي في الوقت ذاته ، وهو يرى ان أصل القصيدة العربية بصرية ، أي بمعنى انه يراها تشكيلا تصويريا مجسدا أمام العين الباصرة ، وهذا يعني انه يرجح الجانب البصري بما يوفره من متعة عيانية تفضي إلى تحقيق نوع من اللذة الباطنية . فالقصيدة بالنسبة أليه هي أشبه بالسجادة المنسوجة بحس فني راق أضفى عليها العرش والتطريز ملمحا جماليا نادرا في تأثيره الفني ، وسطوة صنعتة المنفردة .
ترى ، كيف سيستقبل النقاد مثل هذه الطروحات الجديدة الصادمة التي تلغي كل الأشكال الشعرية المتعارف عليها من قريض وحر ومرسل ، فبعض النقاد يرفضون مجرد البحث في إمكان قبول قصيدة النثر شعريا ، بمعنى انهم لا يرون الشعر الا في حدود الوزن والقافية ، وهذا التزمت ناجم بكل تأكيد عن الفهم القاصر للحداثة الشعرية ، فلا غرابة ان تنصب جهودهم على تشويه قصيدة الشعر الحر والمرسل ، أما قصيدة النثر فهم يأنفون مجرد النظر أليها باعتبارها " مسخا متعمدا " للقصيدة الكلاسيكية .
لقد عانى رواد الشعر الحر معاناة جمة وهم يتصدون للذائقة الجماهيرية الثابتة التي لم يقتحمها من قبل سوى عدد قليل قياسا للكم الهائل من شعراء العربية نذكر منهم أبو تمام وأبو نواس وعمر بن أبي ربيعة والمتنبي والمعري والنفري وأبو حيان التوحيدي وابن عربي وعدد من شعراء الحب العذري ، ولقد استغرقتهم هذه " المجازفة " سنوات طوالا كي يحققوا موطئ قدم لطروحاتهم الشعرية الجديدة .
والغريب في الأمر ان القصيدة ينبغي ان تقاس وفقا لشعريتها ، لا لالتزامها بالقوالب الخليلية الجامدة التي لا تستوعب قطعا بحر الإيقاعات الموسيقية اللامحدودة . أذن ، كيف سيتسنى لنا ان ندافع عن الأشكال الشعرية الجديدة التي استخدمها الشاعر ناصر مؤنس في مجموعته الأولى { تعاويذ للأرواح الخربة } وما تضمنته من استثمار واضح لشكل التعويذة والطلسم التي تتجه إلى العالم الباطني الغامض للإنسان محاولة توليد نوع من المقترب الروحي الذي يشتغل أجوائه السرية مفعول التميمة ، وما أقرب الشعر الباطني إلى مضمون التميمة ورسالتها المحفوفة بالأسرار والتجليات .
والملاحظ ان الشاعر ناصر مؤنس ينتقي عناوين دواوينه , وحتى عناوين قصائده بعناية فائقة ، فالعنوان مفتاح سحري يقودنا إلى مملكة أوهامه وشطحاته الفكرية المتنوعة . فالشاعر مسكون بهاجس الخراب الروحي عندما كان محاصرا في مدن القمع والعبث واللاجدوى ف " الحياة تحت ظلال الصواريخ " هي نوع من المقامرة الخاسرة على صعيد الحياة أولا , وعلى صعيد المشروع الشعري الذي يتلبس بالفنان الشاعر . فدقة انتقاء الموضوع تفضي بنا إلى دقة تشخيص الشاعر لأسباب الخراب الذي تفشى في مفاصلنا . والتف حول أعناقنا المحاصرة كالأخطبوط .
والمثير في الأمر ان الشاعر قد أدار ظهره لكل الحلول الحضارية والتجأ إلى التعاويذ والتمائم التي تحاكي الروح قبل الجسد . فتمائم ناصر مؤنس لا تتضمن المعنى المبسط لما تحتويه الحرز والأدعية المألوفة , لأن همه الأكبر يقتضي ان يتجاوز السطح إلى العمق , ويغادر الجسد إلى ما ورائه , لأن ما يعالجه ليس هما زائلا وانما محنة متأصلة خربة .
والفنان الشاعر ناصر مؤنس مفتون بالكتابة السومرية , ومؤمن بالمخلوقات التي تشبه هذه الكتابة ، فلا غرابة اذن ان يدمغ الديوان بختم سومري ، ويوشي الكثير من صفحاته بالرسوم المستوحاة من الحضارات العراقية المتتالية مسيدا الصورة السومرية على غيرها من الصور ، ومنمقا فضاءها بالحروف والرموز والإشارات السومرية الجميلة التي تستفز المخيلة وتقودها إلى الزمن السومري الغابر . اذن ، فالشاعر يستعين بالقصيدة البصرية المغايرة للأشكال المألوفة محفزا في المتلقي حواسا عدة ، فالاذن تسمع وقع القراءة الهامسة ، والعين تبصر مشاهد متداخلة تعود في مرجعيتها إلى أزمنة لا تعرف الصدأ ، وبذلك يقتنص الشاعر مفعول جدته الشعرية مبنى ومعنى ولا ينتظر النتائج لأنه يعرفها سلفا ، ولأنه مؤمن حد اليقين بأصالة مشروعة الشعري الجديد .
الصورة الحركية
في القصيدة البصرية
ينبغي ان نحيط القارئ علما بان الشاعر يمتهن السينما فنا وحرفة ، بل ان الجانب الفني يطغي على قرينه الحرفي الأمر الذي يدعو لأن يستثمر جوهر السينما ، ويستخلص عصارتها ، ويصبها في النهاية ضمن تشكيلاته البصرية الجديدة . فثمة لازمة يكررها الشاعر في مطلع كل قصيدة حابسا إياها في دائرة تشبه تلك التي تليها ، وتتطابق معها تماما لتكون مدخلا مناسبا للمناخ التعويذي الذي بزجنا فيه الشاعر عبر جملته الاستهلالية
{ شكلي ملآن تكويرا } والتي تفجر فينا انثيالات ورؤى جامحة يصور فيها مدارج خرابه الروحي . وبطبيعة الحال لا يسعنا الحيز المتاح لأن نتوقف عند { تعاويذ } الشاعر جميعا لأنها تحتاج فعلا إلى دراسة مستقلة ، وحيز واسع ، لذا سنكتفي بالتوقف عند أبرز هذه التشكيلات البصرية التي أبدعتها مخيلة الشاعر ناصر مؤنس .
ففي تعويذة { الرميم } يؤنسن الوحل مصورا إياه مثل غاية مشتهاة " أيها الوحل ، لقد بحثت عنك دائما ، فاقترب كائنا من كنت ، اقترب لتشجع الفجيعة ان تهرع بتعجل ، والخديعة بشحنة العزاء تفرض حضورها السخيف " . ثمة تشكيلات بصرية تنداح أمام العين ، فالوحل يصبح أشبه بغاية مستحيلة ، وبتحققه تهرع الفجيعة وتفرض الخديعة حضورها السخيف .
وفي تعويذة { الزلزلة } تستولي عليه { كرامات عاتية } مرعبة تصيبه بالحمى ، وتقذف به في أتون الوجد الصوفي الذي ينتهي به إلى التماهي والحلول . فالسكون المريب الذي يغلف حياة الشاعر هو مقبرة حقيقية لحياة بائسة عزلاء ، وهو خيار مر لا يستساغ ، فلهذا يستسلم الشاعر لسطوة الغضب المقدس الذي سيقوده للزلزلة ، أو آخر مرقاة من مراقي الحلول .
وفي تعويذة { الرفائيم } تتوازى الأسهم ، وتمتد عبر المدى الذي لا يحد ، وبين الذات والذات الأخرى ينكب مدجنا الأهوال والغرابة فيستحيل رأسه إلى بندول يتحرك جيئة وذهابا . ان هذا التفسير القسري قد يسئ لروح النص القائم على المعاينة ، فالسهمان المتوازيان اللذان يتحركان بين { أنا } و { هو } هما رمزان لا يقبلان التفسير المبسط لأن غايتهما استنفار حاسة البصر ، واطلاق عنان قدرتها على التخيل ، ثم تعود القصيدة الى جريانها المعتاد ، وحينما { ينكب على تدجين الأهوال والغرابة } تستعيد القصيدة حركتها البصرية ، فيصبح رأسة بندولا يتحرك بشكل أزلي ، وهذا ما نستشفه من أحرف الفعل المقطعة في خاتمة التعويذة { ي ...ت ...ح ...ر ...ك } .
وفي { القبو } يقص علينا الشاعر حكايا شعرية ممتعة نختار منها : " مرة قلقت الشياطين من كوني أصبحت سويا ، وأغلقت أبوابي ونوافذي ، ودخلت عالم الأمان ، فدخلت الشياطين بيتي من المدخنة ، آخذة شكل فتاة طافحة بالشهوة ، فشربت من غرامها بحرا وقتلتها ... لكن ثمة كابوس طاردني بأني لم أقتل ، بل عاشرت شبح فتاة شاهدت النازيين يقتلونها في فيلم سينمائي ... } . ان هذه الصورة الحلمية التي تروي قصة غرائبية تغري المتلقي بتتبعها لاستكمال الدهشة التي تفنن الشاعر بعفويته البريئة ان يسرد لنا بأسلوب شعري مجنح ، ممتع ومثير عبر ثنائية الحلم والواقع .
وتتوالى الحكايا الشعرية في { الصومعة } بأسلوب اكثر أغراء وهو يمتطي صهوة الشهوات الزائلة ساردا على مسامعنا متوالية القتل الدامي . وفي { الغار } نراه يتحدى صرصارا ، وفي { الخرائب } يتقاتلون ، وهكذا ينهي المشهد " أيها الصرصار ، لقد قررت عليك الموت ...أنني مستعد أيها الرب للاستشهاد فسأطير إلى السماء .. تطير إلى السماء .. انزل أيها الصرصار اللعين ... وقف في أعلى الصورة على الجدار ، وهي تصورني في طفولتي " .
وفي تعويذة { الأخيلة } يصور لنا الشاعر أحلام دانيال بأسلوب حكائي بسيط في مظهره ، عميق في جوهرة ، وكأنه يستنفر دلالة الكلام عائدا بنا إلى مدارج الغريزة الأولى ، ومحاكيا نزوات الطفولة ، وصبوات النفس التي تنشد المعرفة ، فنراه يقول : " حين نقرأ دانيال ، فأننا نقرأ عن الأحلام والرؤى التي رآها دانيال ، والتي كانت تتعلق بمجرى تأريخ العالم إلى النهاية ، وفي هذه التنبوءات أخبر دانيال عن الممالك التي ستأتي وتزول ، وعن تشييد ملكوت عالمنا ، ذلك الملكوت الأبدي الذي سيظهر كماله لدى مجيء المسيح الثاني " .
ان رؤية الشاعر تنسجم باطنيا مع رؤية دانيال المفترضة ، وهكذا يتوصل الاثنان ، الشاعر والروائي إلى النهاية المفجعة " تلك هي الخاتمة : سوف تحصدنا الهزائم من اللهاث إلى اللهاث ، هكذا يرى دانيال " . ولو أمعنا النظر في الرؤى اللاحقة لدانيال ، لاكتشفنا ان دانيال ليس اكثر من قناع حلمي يقبع خلفة وجه الشاعر الذي يحاول ان يقدم تنويعاته الحلمية المتفجرة التي تملأ العالمين العلوي والسفلي على حد سواء .
وأخيرا أود ان أختتم رؤى دانيال بهذا التشكيل البصري الجميل الذي يفضي بنا إلى النتيجة الكارثية : " ورأيته يتخذ من السماء سلما للهبوط ، يخرج عن كوكب الحيرة راسما كلمات وضاءة :
شمس + شمس = احتراق أجنحة الجسد بضياء الشهوة
قمر + قمر = { عين } تنير ظلمة الكون
شمس + قمر = رحاب ضريرة ومخلوقات بائسة " .
ثم يوغل الشاعر في طقوسه وتعاويذه مستخدما من المفردة الدينية ، أو الطقوسية جانبها المتألق عبر توليفاته الشعرية ، وصوره المستنبطة من الرؤى والكشوفات الداخلية التي تستعر في داخله مستعينا بما يوفره القناع من فضاءات جديدة .
وفي { تعويذة الكائن } يفيد الشاعر من أسطورة { جلجامش وأنكيدو والعالم السفلي } لكنه يوظفها بالطريقة البصرية التي تنسجم مع توجهه بوصفه رائيا وعليما . ففي مفتتح القصيدة يحذر انكيدو ، ويحدد سلوكه في العالم السفلي غير انه لم يعطه أذنا صاغية الأمر الذي يغضب فيه { أم نناوز } فتمنعه من الصعود من عالم الأموات . ثمة قصائد مكتوبة بلغة صافية تترقرق كالماء دون تزويق لفظي أو عناء وصفي وكأن الشاعر يريد ان يحيلنا عبر رؤاه وتجلياته البصرية إلى مخيلة الابتداء وما تحركه في النفس من شوق وشجون وتساؤلات أزلية .