عن تجربة الشاعر ناصر مؤنس – القصيدة البصرية
فريد رمضان
منذ انطلاقة تجربته الشعرية / التشكيلية في مطلع الثمانينيات وحتى اليوم ما زال الشاعر أو الفنان ناصر مؤنس يشتغل على تجربته بثقة، رغم ان مجاميعه الأولى " تعاويذ للأرواح الخربة " عام 1984م ، و " هزائم " عام 1986م ، منعتهما بعض المؤسسات الثقافية الرسمية في أكثر من وطن عربي ، بحجة أن الشاعر / الفنان يشوه الحرف العربي الجميل بهذه الأعمال ، لقد انطلق ناصر مؤنس فنان الحفر { الجرافيك } على تشييد قصيدته الشعرية ضمن اشتغال على القصيدة البصرية ، حيث يجمع فيها الشعر والتشكيل بميكانيكية تعمق معنى القصيدة التي تنطلق من فكرة أن كل الفنون المعاصرة ميالة لأن تصبح مرئية ومن ضمنها الشعر ، ورغم أن هذا المشروع الإبداعي قوبل بالرفض من العديد من المؤسسات والأفراد ، فقد انكب الشاعر / الفنان ناصر مؤنس وهو الخارج من العراق ، المقيم في هولندا على إصدار تجاربه الجديرة بالدراسة من دار " مخطوطات " أنشأها الشاعر بنفسه واشتغل على طباعة كل مشاريعه التي تتالت بعد ذلك ، وكتاب " حيل ميكانيكية " .
والمتأمل لتجربة ناصر مؤنس فإنه بالتأكيد سوف يتوقف أمام إشكالية نقدية في قراءة اللوحة التشكيلية أو اللوحة الشعرية ، وهي إشكالية نظرية فقط ، فالتداخل بين اللوحة والشعر ، هو تداخل بين الصورة الشعرية ببلاغتها ، وبين اللوحة البصرية بتداخلها مع الحرف والكلمة والجملة ، ومن هنا فإن هذه التجربة تخرج التشكيل من متن النص ليواكبه بمتابعة ذات حساسية متداخلة من الغلاف الذي يصممه الشاعر بنفسه حتى فهرس الكتاب .
وتمتاز تجربة الشاعر ناصر مؤنس باختلاف مناخاتها ورؤيتها التشكيلية ، وكنها تشترك في صفة القصيدة المرئية التي انطلق منها عبر لغة غير مأمونة ، وربما غير مقروءة لتداخلها القوي باللحظة التشكيلية البصرية ، ضمن سياقات تعبيرية تعتمد اعتماداً رئيسياً على الفضاء ومساحات البياض التي تندرج في سياق النص الشعري المطبوع باللون الأسود ، وما بينهما من لون رمادي ، وهي استجابة طبيعية في مجموعته " تعاويذ للأرواح الخربة " وهو ما يحيلك إلى كتب التراث في التعاويذ وكتاب الطواسين للحلاج ، أما في كتابه " هزائم " فإن النص الشعري ينداح ضمن سياقات الأجساد البشرية المنكسرة ، أو تلك التي تحمل عبء الوطن وتذهب بقصيدتها التي تصطاد مساحتها الشعرية عبر قلق تشكيلي ، هو طبيعة بحثية لقول شعري جديد وهي طبيعية لمبدع مثل ناصر مؤنس حيث يذهب بنصه الشعري والتشكيلي نحو نقطة ما ، في حالة من الإبهام الجميل ، وعبر معالجة تقبل التأويل سواء في ذهابه نحو النص الشعري أو النص التشكيلي .
يقول في قصيدة من كتابه " هزائم " .
إنما الهزائم كالحجارة
تستريح في حصن فلا تتبدّى إلا بالحجر
هزائم من حجر
رغبات من حجر
انبجاس من حجر
لماذا النبش عن الهزائم في غبارها
تخرج الهزائم ...
تدخل الهزائم ...
والثواني ترفع اندحاراتهاالعالية
إنما الهزائم كالشجر
تنتصب واقفة .
ترخي قامتها في زوبعة تائهة .
قارعة صنوج الهواء
بفم متثائب
حتى تفك الأرض أزرارها
وبكاحل دبغة الصواعق
تفتح الهزائم أغصانها
وتنمو ...
تبتكر الهزائم بذراً وغيوم
تبتكر أسواراً
وانقاضاً ومقاصل .
مجلة " هنا البحرين " العدد 1728- 15 يناير 2003