كيف تقتل بتلذذ؟

 

كان لابد من قتله ... وقد قتلته وانتهى كل شيء ... كل شيء إلى عفونة ... عفونة مقززة ، ولا أراني قادراً على فعل شيء سوى أن أوشم بلطخة من الخرس { هذا الخرس الذي ينتشر في كل مكان } ويشدني إلى أنشوطة خالية تتحرك ببطء في قبو مظلم .

 

لست أنا بالرجل القاتل طبعاً ، لكني فكرت في القتل مراراً ، وكما نخرج من الماء بدون بلل ، خرجت من كل جرائمي دون جريمة قتل واحدة ، والأشد فظاعة من ذلك أنني وضعت مئات الخطط والأساليب الشيطانية عن طريقة القتل بتلذذ .

 

كنت أتمنى لو لم أقتل .

لكن ما أعتبره قتلاً كان شيئاً رائعاً ولذيذاً ، إذ أن أغلب القتلة يجدون براءة طفولتهم في جثث قتلاهم وأنا كنت أبحث عن براءتي ، والمخيف حقاً ، أنني لم أقتل فحسب بل مزقت أشلاء ضحيتي بحثا عن البراءة ، وقبل ذلك كانت صور جرائمي تنزلق بين الأسطر بسرور كبير وهي تزدرد الكلمات ، أجل كنت أحلم بجرائم قتل بلا هوادة وأن انفجر بضحكة سلافية قحة مفعمة بألم رهيب وفي مستهل الذكريات عن جرائمي أذكر :-

 

1

مرة قتلت أبي

وهربت

إلى أعلى الجبل

فقتلني الجوع

فعدت

ولم أقتل أبي .

 

2

مرة خبأني جدي

في جيب سترته الأيمن

وخرجنا للغابة

نصطاد

فعشقت ابنة حارس الغابة

حاول حارس الغابة قتلي

فقتل جدي ...

فهربت كالماعز

التقيت امرأة رخيصة

لحمها قاتم ومندى

وعلى الفور

أخبرتها بما حدث

{ كانت امرأة حارس الغابة }

وحين عاد زوجها

أخبرته بما أخبرتها ...

فأعد الاثنان لقتلي

فهربت

وابنة حارس الغابة

تبعنا

حارس الغابة بالصراخ والطلقات

لكنه

قتل ابنته خطأ .

 

قررت

المرأة الرخيصة الغاضبة

ذات اللحم القاتم المندى

قتل زوجها ...

فقتلها

وترجل عن هذه الأرض

وقتل نفسه

لم يبق أمامي غير أن أشتعل اشتعال طريدة

تستقرئ الطبيعة مثل كلب أعرج .

ها أنا أعتبر نفسي قاتلا فريداً وعبقرياً ، لا شك أنني مصاب بمرض عقلي ينحصر في حبي المفرط لطريقة القتل بتلذذ ، تلك الطريقة التي ابتدعتها وعشت من أجلها { وحتى لا أنفصل عن طريقتي تلك أخذت أكثر من القتل بحثاً عن لذة أكبر و أكبر }

لقد ارتكبت جرائم القتل عن وعي كامل ، وعلى الرغم من كوني قاتلاً غريب الأطوار ، عصبي المزاج { إلا أنني تلقيت أصول المهنة على أيدي محترفين بارعين } ولحظات القتل هي اللحظات الوحيدة التي أحس فيها أنني غير منهار وغبر قابل لأن أفنى تحت اللعنة ، هذا يعني أنني أصبحت محكوماً بتلك الكآبة المبهمة التي تسحقني ، أقطن في غرفتي وحيداً ، أحس بالضياع و الترقب والعجز والانتظار ... وبدون سابق إنذار وبسرعة فائقة ... ظهر أمامي ... مما حتم علي استخدام كل قوتي وجبروتي في معركة غير متكافئة ضد ذلك الصرصار { ألا يبدو أنني أمارس نوعاً من الانتقام ضد صرصار مسكين وضعته الأقدار تحت سطوتي في طريق الصدفة } وفي أغلب الأحيان يكون دافع القتل بالنسبة لي دافعاً جمالياً { إحساس بلذة مطلقة } أما في هذه المرة فالأمر مختلف ... أنا في مواجهة الصرصار ... لا أستطيع أن أفعل شيء سوى أن أصطدم بجدار من الخوف ... لا أستطيع التغلب عليه ... وبالنتيجة أخوض معركة للتغلب على الخوف بفعل القتل ... ها هو قد بدأ يعابثني .

حاولت التهامه لكنه فاجأني وتحرك بخفة ليقف أمامي من جديد بكل شراهة ، أخذت أحس أن ثمة هاوية بيني وبينه فلجأت للحركة بالزحف لعل فيها موتاً للهاوية التي تفصل بيننا ... لكنه هرب من جديد .

 

جلست وحدي على المنضدة

بدأ الضوء يخفت شيئاً فشيئاً

بدأت المنضدة تهتز

بدأ المصباح يهتز

وأخذ جسدي هو الآخر يهتز

اكتست كل الأشياء باللون الأحمر ، وأكتسب جسدي ملبساً من نفس اللون ، حاصرتني مجموعة من الحيوانات اللافقرية ، تقدم مني حيوان ضخم وأخذ يشد حبلاً غليظاً حول عنقي ... صحوت ... كان الصرصار في متناول يدي ، حاولت إدراكه ، لكنه استطاع أن يهرب هذه المرة أيضاً ، بدا لي بأنني أشترك في عرض مسرحي مع هذا الصرصار ، وهذا ما حدث فعلاً في المدرسة ، حين اشتركت في مسرحية " الاعتراف " وكان علي أن " أموت " أو " أستشهد " على كرسي الاعتراف ... إني مستعد للموت ... أظهر لي وجهك أيها الصرصار اللعين ... إني مستعد ... أرني وجهك .. ويشترك معي في العرض القاضي الذي ينتصب كالصرصار ... لقد قررت عليك الموت ... حسناً أيها الصرصار ، لقد قررت عليك الموت ... إني مستعد للموت ... انزل أيها الصرصار اللعين ... وقف في أعلى الصورة المعلقة على الجدار وهي تصورني في طفولتي وأنا أرقد على كرسي الاعتراف في حفل المدرسة ، هذه الصورة ذهبت بحياتي فيما مضى ... سأذهب بحياتك أيها الصرصار اللعين ... تفر غير أنني ما أنفك أراك ... حاولت قتله في أعلى الصورة لكنه فر من جديد فدخلت على صورتي أنهضت طفولتي من كرسي الاعتراف وجعلتها نجمة لي وهدى وجعلت المدى صهوة من صحائف وطاردت الصرصار اللعين .

أعتقد أن المرء يمتنع عن القتل في كثير من الأحيان وهو بذلك يكون تافهاً جداً ، لكنه ما أن يمنح نفسه ، فرصة أن تثمل بالقتل حتى تصبح كل رذائله فضائل وفضائلي تتحدد بقتل أعدائي ،وهذا الصرصار هو ألد أعدائي ، فأخذت أركز عليه طاقاتي وأفكاري مضحياً بكل شيء ، مؤمناً بأن المرء لا بد أن يكرس نفسه للتخلص من أعدائه ، وعليه أن يصنع نفسه من خلال عملية التخلص هذه فيرتكب جرائم القتل بثقة وهدوء ويسعى إلى الجريمة بدقة وشاعرية تشبه ذلك الذي يسير وهو نائم ، عارفاً أن الضحية ستأتيه كالعطايا الإلهية ، دون ترقب أو توقع إذ في أشد لحظات الضيق لا بد وأن تجود الرياح بكائن أحمق يسعى إلى حتفه ، فيكون مشروعاً للقتل في عالم فيه { كل شيء لطيف } بالنسبة لرجل مثلي على الأقل ... ها أنا أركز جهدي لارتكاب جرم في الوقت الذي أمتلك قدري وكذلك الفطنة على معرفة ما هو جرم أم لا ... منطقي يؤهلني لأن أقول ... أن منطق الجريمة أقوى من كل منطق .

ألا يبدو أنني أخذت أتحول إلى وحش كاسر لا حدود لشراسته وضراوته ، أستخدم كل قواي الباغية ضد صرصار صغير ... وهكذا وجدت نفسي وسط الفوضى والجنون وعلى أن أتخطى تجاربي السابقة باصقاً على كل شيء كما لو كنت قد صحوت من كابوس مرعب .

أنا الآن في غرفتي حيث الخنجران المعلقان على الحائط { كانا لجدي الذي قضى حياته في استخدامهما ثم أورثهما لأبي الذي اكتفى بتعليقهما على الحائط وأورثني إياهما فاكتفيت بالنظر إليهما فقط } وكان يشكلان تباينا حاداً في الألوان التي أخذت تتحول إلى أفاع تتحرك بعلاقات إيقاعية بين الأحمر والأصفر أو تتسع بشكل دائرة كبيرة فتبدو كبؤرة أفاع ، حيث بدا لي كل شيء ممكناً .

ها أنا أستعد لجريمة قتل .

فهذا الصرصار ليس بالعدو الذي أواجهه لأول مرة ، إنه نفس العدو الشرس الذي طاردته في جرائمي السابقة .

تناولت الخنجرين الصدئين من الجدار وأصدرت أحكامي بالقتل مشفوعة بالنفاذ السريع { لعلّي أحد الأبطال الإغريقيين أواجه قدري المأساوي } أخذت أرقص على إيقاع أفريقي ترددت أصداؤه في داخلي بينما أخذ الصرصار يبرز ككتلة مضيئة على أرضية مظلمة ويسيطر كحشرة ضخمة تبدو بمظهر غير قابل للحركة ، فشددت على مقبضي الخنجرين ورفعت يداي بحركة رأسية هابطة { وعلى خلفية موسيقية أوبر إلية قوية } أخذت أطعن ... وأطعن ... وأطعن ...

وقفت مشدوهاً أمام بشاعة جرمي

ما ... ذا ... حدث ...؟ ببسا ... طة ... شد ... يد ...ة ...

لقد ارتكبت جريمة قتل