|
التعاويذي ناصر مؤنس
ما من مجاز يشبهني لأدعي بأنه شروحي
لاهاي: عبد الرحمن الماجدي
التعويذة
فخ يستدرجك لكائنات رموزه. سحر قديم. بئر
لمياه الشؤون. صالة في متحف.
التعويذة (قصيدة مرئية تقول للحكمة:
افتحي لي بابك).
حين تلقي التعويذة عليك تحيتها تقف
مأخوذا بهيبتها.
التعاويذي
رجل مهموم يقيس بفرجاله استقامة الألف
وسياحة الهمزة في فضائه.
يركض في حوض النون وعيناه في الأعالي على
ابنته.
نساج سجادة الكلمة.
صيدلي يزن بدقةٍ دمعة المعدن ليرد للون
صحته.
التعاويذي مهندس القلعة، قلعة الكلمة.
يصفّ أجساد الحروف على سقالة الكلام
لينفخ فيها الروح من جديد.
فقيه القبيلة اذ بالتعاويذ يزف المعاني
لخدور الكلمات.
(التعاويذي شاعر يخلع العمة الشعرية من
اجل توليد طاقات جديدة. محتفلا بالقداس
ومقدما للمتلقي الرسم الخاص بالإلهي،
لهذا هو يكتب نصه من خلال عدة مستويات،
سواء تلك التي ترسم معنى الكلمات وتشكل
الفراغ، الحروف، المساحات، الترقيم... أو
تلك التي تحلل الدلالات وتعيد بناءها).
التعاويذي ناصر مؤنس المولود في بغداد 1963
والمتخرج في أكاديمية الفنون الجميلة في
بغداد 1987. بدأ تجربته قبل أكثر من 20 سنة
لكن (بما انه على الشاعر ان يفكر بسلة
المهملات أكثر مما يفكر بالكتابة تم
إنجاز مجموعة "التعاويذ" عام 1984
بشكلها البصري الخاص ثم أنجزت بعدها "الهزائم"
عام 1986. وداخل كل مجموعة مناخها الخاص؛
مثلا "التعاويذ" عبارة عن شخص يسقط
برؤى خادعة فتصبح آذانه أشبه بالنوافير
وعيونه ترى أشياء مائلة في رؤيتها فيلتفت
ليجد ان لديه أجنحة فيطير 7 رحلات الى 7
أماكن لها طقوسيتها تبدأ من الرميم
وتنتهي بالكائن.
"الهزائم" هي شكل آخر وهي قصيدة
طويلة بعدة تسميات داخلها: الهزائم
الخاصة، الهزائم الكوكبية، هزائم
الصحراء، هزائم خفية، هزائم مستمرة).
تجربة القصيدة المرئية
لناصر مؤنس قصب السبق بل الفرادة في
كتابة القصيدة البصرية التي تجمع بين
الشعر والتشكيل اذ يكسي كل حرف من حروف
الكلمة حلة جديدة. بميكانيك يعمق معنى
القصيدة منطلقا من فكرة ان: كل الفنون
المعاصرة ميالة لأن تصبح مرئية ومن ضمنها
الشعر.
"كلنا قراء سلبيين للشعر؛ نقرأه كما
نقرأ أي خبر في جريدة. أردت، بالقصيدة
المرئية، ان يمارس القارئ الطقس الخاص
لقراءة هذه القصيدة. إذا كان
الشعر العمودي يسير بعكازين والحر بعكاز
واحد يجب ان تكون هناك ممارسة أخرى للشعر
بصرية أو شكلية خارج نطاق العكازات.
علينا ان نجد، مثل السينما، قصيدة مفتوحة
على كل الاتجاهات. تعطيك حرية أكثر حتى
بالتأمل".
نالت تجربة الشاعر ناصر مؤنس الاهتمام من
قبل فنانين وشعراء مميزين في العراق
وخارجه اذ تجمع بين الشعر والتشكيل.
وهناك بعض المحاولات لتقليدها. لكن إصرار
الشاعر ناصر مؤنس على مشروعه وسعيه الجاد
من اجله جعله يستمر صابرا لإنجازه.
حكاية ظريفة
"أحد الفنانين العراقيين المهمين اطلع
على هذه التجربة وكان مبهورا بها، يستوقف
أصدقاءه الفنانين قائلا: انظروا لهؤلاء
الشباب وتجاربهم المميزة، ويريهم نماذج
من التجربة؛ اذ كان في صدد كتابة مقدمة
لكتاب "التعاويذ" وكان ذلك يسعدني
ان يتناولها هذا الفنان ذو التجربة
الخاصة والمهمة. كنت متفقا معه ان نلتقي
بعد أسبوع فاجأته على الموعد لأخذ مقدمة
الكتاب، دخلت سلمت حين دخلت منزله فلم
يرد التحية فاستغربت ذلك منه، ثم قال خذ
كتابك واذهب! سألته عن السبب فقال: هذا
كتاب مليء بالسحر وخلال وجوده في بيتي
امتلأ البيت بالعقارب والصراصير! فقلت له:
لكن هذا الكتاب دائما في بيتي فلم يحدث
شيء مما قلته. فقال: طبعا، لأنك أنت صانعه
فلم تتأثر بسحره!"
رقابة سريالية
لم يطبع ناصر مؤنس أول مجاميعه إلا في عام
1995 بسبب، كما يصفه، سريالي جدا، وهو: ان
هذه الكتب تشوه الحرف العربي الجميل!
طالبَ بناقد تشكيلي "لاحتواء هذه
الكتب على فضاء تشكيلي وهي تجربة لها
مثيلاتها في التجارب العالمية فعربيا
نعلم ان بعض القصائد كتبت على شكل أباريق
وبعضها على شكل شجرة وعالميا قصيدة كتبت
على شكل برج ايفل أو سمكة... أنا جمعت هذه
التجارب وصوّرتها وقلت ربما لم يطلع
الرقيب عليها سابقا، فأعيدت لي بنفس
العبارة السريالية وتحتها خط احمر ولم
يشغل الرقيب نفسه حتى بمشاهدة هذه
التجارب".
ثم تقدم لطباعة هذه المجاميع في بلد آخر
فتلقى نفس الرد تقريبا وهو: ان الرقيب رفض
هذه المجاميع لعدم تمكنه من قراءتها.
وتقدم في بلد آخر وجاءه الرد شبيها بردود
من سبقوه... "كانت لدي فكرة أن اجمع ردود
دوائر الرقابة على مجاميعي وأصدرها في
كراس على طريقة الشاعر عبد القادر
الجنابي في الجواز العراقي عندما عمل
فيزا لعبور كابوس أطول من الليل عندما
استحصل هذه الفيزات الحرة من أصدقائه...
هذه الرقابات بمختلف الأنظمة، مختلف
الأزمنة وبمختلف البلدان تعطي نفس الرأي
وردودها دائما سريالية".
مخطوطات
انشأ ناصر مؤنس دار "مخطوطات" المميزة بطباعتها اليدوية والتي لفتت
الأنظار الى إنجازاتها المهمة خاصة في
أوربا حيث حرية التحرك للمبدع أوسع من
سواها؛ فذهبت بعض أعمال الشاعر لعدد من
المتاحف وامتلكها أشخاص مميزين وتم
الاحتفاء بها وبصاحبها المنتقل من
مخطوطة الى أخرى ليسبر أغوار حروفها،
صورها ومعانيها.
الشاعر ناصر مؤنس يسعى كي يستعيد المخطوط
روحه العربية وعلى الكتاب ان يحاكي هذه
الروح الجميلة: "كل تراثنا من
المخطوطات استبدلناه
بمجرد ان جلب نابليون المطبعة لمصر
وبالتالي استسهلنا حرف المطبعة وقايضنا
الروح الجميلة للمخطوط بكومة من السواد
على صفحة بيضاء حتى لتبدو القصيدة معه
كشخص ممدد في كفن ابيض. طوبوغرافية
الصفحة في أي مخطوط عربي تجد فيها النص
والمتن والحاشية وبعض الأشكال بالإضافة
الى تعليقات الناسخ والمالك وختم صاحب
المخطوطة وآثار الناس الذين تداولوا
المخطوطة وتواريخهم. كل ذلك هو مادة
شعرية اعمل عليها داخل الصفحة للقصيدة
المرئية. فالقصيدة ليست كلمات فقط بل
فيها إحالات للكتب الطقوسية. كان الكتاب
كإرث من جيل الى جيل وصاحب المخطوطة يفخر
بامتلاكها ويضع ختمه عليه. فيما الكتاب
الآن بالرغم من جماله الطباعي وبريقه
لكنك بمجرد ان تمسكه سترميه بعد 10 دقائق
لعدم إحساسك بطقس ملكيته".
الأقلام
تعـزيمة
الى يا أقلام، هلمّي نتبادل أحبارا مقدسة
وطاهرة،
نقدمها كرشوة الى المغيب،
حيث الحروف أصل في الروح
والكلمات: ملائكة تكرز الترهات.
ناصر مؤنس، من "ألسنة الافهام"
المشروع الرئيس لناصر مؤنس هو مشروع "الأقلام"
الذي يشتغل عليه منذ وقت ليس بالقصير.
يقول "هي مخطوطة للبسطامي أنا معني
بمدى تناول هذه المخطوطة للمادة الصورية.
معني بالتكوين الصوري لهذه المخطوطة..
ولست معنيا بصحة أو من كتب بهذه الأقلام
التي تبدأ بقلم آدم مرورا بقلم شيت ونوح
وإبراهيم والحسين بن علي والخوارزمي
والرازي وأرسطو والبسطامي. الخ وتنتهي
بالقلم الأخير وهو
القلم المؤنسي الخاص بأبجديتي. لو كتب
آدم بهذه الأبجدية كيف سيكتب قصيدة، هنا
أنا معني بالشعر. هذه الأقلام بقدر غنى أو
زهد حروفها فهي مليئة بطاقات تشكيلية
وبصرية ممتدة في فضاءلت الحكمة والعرافة
وما أودعه الأولون من سحر في الخطوط.
مشروع الأقلام التي يقول عنها صاحب
المخطوطة البسطامي "إنها علم ما كان
وما سيكون" هو من أهم مشاريعي. انوي
استخدام الطباعة الحجرية لهذا الكتاب
وهذه الأبجدية".
تشكيل
التشكيل جزء مهم من تجربة الشاعر ناصر
مؤنس فلوحاته هي قصائده أو مستوحاة منها
لكن لها خصوصيتها التشكيلية. ساهم في
معارض مختلفة بأوروبا ولفت لأعماله
الأنظار سواء داخل هولندا أو خارجها.
يقول:
"مشروع الأقلام قادني الى مشروع جدا
جميل من خلال مخطوطة للرازي عثرت عليها
في مكتبة (لايدن) حيث يصور كل حرف كتشكيل
بشري، وهو يوفر لي المادة الصورية. ترى كل
حرف له دلالته البصرية فمثلا: الألف:
الرجل الحقير والضعيف. الباء: رجل كثير
الجماع. الدال: المرأة السمينة. الواو:
البعير ذو السنام. والهاء: لطمة في الخد.
أنا كشاعر ممكن ان أشتغل هنا على قصيدة
ايروتيكية فيكون شكل هذه القصيدة شكل حرف
الباء، وبالتالي أكون حققت الشكل المرئي
للقصيدة".
هو معني بشكل الحرف ودلالته البصرية.
فاهتمامه بالعمل المرئي قاده لفضاءات
تشكيلية: "اذ أرى كل الأبجديات، لو
جردتها، هي عبارة عن تشخيص بشري بما في
ذلك العربية والجرمانية، مرجعيتها تشخيص
بشري، وبالتالي هي كتابة وفي نفس الوقت
شخوص".
تجربة الشاعر ناصر مؤنس بدأها منذ ما
يقارب الربع قرن وهو مصر على المضي بها.
يطبع عددا ليس بالكثير من كتبه ليقدمه
لقارئ يحترم الكتاب والجهد المبذول
لإنجازه، انتقل إليه هيام صاحب المخطوط
بمخطوطه. لكل كتاب ينجزه ختمه الخاص ولكل
قصيدة أو لوحة حرزها المشغول بعناية. انه
تعاويذي ماهر: "نحن في زمن انصهار
الثقافة بدرجة "451 فهرنهايت"
الرواية لراي برادبري وأخرجها المخرج
فرانسوا تروفو. التي تدور أحداثها عن
فرقة إطفاء حرائق لكن هدفها إضرام
النيران بالكتب فيضطر أهل المدينة للهرب
للغابة حيث يحفظون الكتب عن ظهر قلب
ليورثوها لمواليدهم الجدد فكل مولود
يحمل اسم كتاب سيحفظه عن ظهر قلب. نحن
الآن نعيش في هذا الزمن زمن انصهار
الثقافة بما فيها حفظ الكتب المهمة لذا
نضطر للطباعة البدائية التي جعلتنا
نكتشف أننا بأدوات المطبخ نتمكن من إنجاز
كتاب".
ما من مجاز يشبهني لأدعي بأنه شروحي
وما من لهاث أهديه محابري
ميرحاج السواد أنا وختم الظلام ختمي
لمواعيدي في كتاب"الجلوة" أعيادها
وللسر في حبري تكيته العدوية.
أسانيدي
ملح حاذق في دست الرؤيا
/ويخف الى/
مجمرو الأسرار
كاشفو المستقبل
برزخيو السواد أو محرّفوه
/و/
الطوطمي الذي قاد الفيروز الى شكّي،
رياضيات أشكالي محفورة في كتب الظلام
والرقم حرف في أقاويلي.
من مقدمة كتاب "التعاويذي"
الأحد 23 يونيو 2002 12:06
عن إيلاف
|