بازبند
حبر ما لا اسم له
بالطين المغسول الذي مدحه الكتبة البابليون
برسوم عراك قاشاني
بمقابر وحشود من ملائكة قساة
بقرميد الدم يكسره الآثاري
وهو ينقب عن أعياد القيامة
فوق رفوف الآلهة
بخوص مضفور على طرائده
كان منفيوه
أمراء رحلاً
يمضون على ظهر عقاب في ختم أسطوري
وتتوه مع الجبال خيمة أنسابهم.
بالإنشاد
بصنوج الكهنة ومراوح المرتلين
بالألم العراف
يحلو له أن يهذي بأذكار وأدعية
ويضيء الأساطير في حارة الخرافة.
أوسع حضور الطين
أوسع للحبر كي يكتب مخلوقاته.
وقبل
أن يملأ الموت المهندس الباحات بالأرقام
والتوبيخات
سأمتحن العمارة
بالأنامل المفطورة على ما أبدعه المتعبدون
من أثر موصوف
وستجدونني
بأكواز الطين
وبنحاس محفور
وبأباريق على هيئة طيور وحيوانات.
أوزع عصافير الزخرفة على قفص النشيد
ألون مداميك الرؤيا بالبخور :ـ
{ نديمي الأسود }
وربما
سأحتفظ بالظل
حتى ألتقي بتلك الروح الحارسة
للمغنين والممثلين
والراقصين والآثاريين
والمكتبيين والمفهرسين
ومن يعتقدون بحساب الشهور عند الأئمة روميا
والضريح محارة مقلوبة.
وقد أفاجأ وأنا أتأمل الملاك
الذي دخل مع رفقة السوء
إلى حانات مشبوهة
حيث يتنازع فلكيون وأصحاب طبائع
بأنني
أنشغل بتأويل الشذرة
وأخذ عن ذاك الذي يصحف على جبريل.
لهذا
أنادي القيامة بالبوق
وأسأل المهراجا :ـ
الطبل البيهري الكبير.
فلا ترسمني الآن يا مهندسُ بالخرائط
التي تملأ قريحتها الأحاجي.
ولا ترسمني بدعوات الولي
التي تشير إليها لحية الحوذي الذي قادنا
بعربة الموتى،
ولا ترسم الحدائق
كأحشاء كنايات تفكر بالانحدار،
إلى تلك الأعالي التي أحسبها
يقيني.
أما الشاقول
الذي يمتحن به الغيب شائعات القيامة
فهو القلب بعساكره وأحواله
سأصحبه معي
ليمشي في خيال الظل
فلا يعثر
لونه الماء
والحكمة معدن حيرته.
فأرح الخرائط يا مهندس، قبل دخول المتاهة
أرح السقوف
أرح أروقة الممرات
أرح الخانات والمراصد.
أرح البداية يا مهندس، حبرك غازلة صوف
تحرس قطيعا من ينابيع الكلام
وغرانيق فهارسك
أعدت لترحل في أزمنة
لا نهائية.
أرح الرتاجات، مؤجلة ذخائر الآخرة
ولا يسمع صوت البوق.
أرح المرايا، فقد تعبت من تضليل الزائرين،
أرح الزوايا، من رماد مردة الفتوحات،
أرح الحجاب، ولا تقرمط واترك الحاشية.
ينقلب البرج
تنقلب أوتاده
ينقلب الذنب
ينقلب رأس التنين
تنقلب دنيا طالعها السرطان.
وأنا وأنت نظل يقظين يا حبر،
يقظة فريسة
محنطة بالصيحات فوق هضاب الأحجية،
حلم البحارة بها
فقتلها الفلاسفة،
لذلك نقب عنها الآثاري في كأس القربان
يا للآثاري
يبحث عن السلالة في نجمة سومرية،
فيكسر الجرار كلها،
يكسر المكان والقرميد الخفي لغرين رافديه
ويبذر على المزخرفات عجوله،
كأنه يبطن بالمرمر رئة الصواعق
ويهيب بالجرانيت
أن يسد مداخل النشيد بمترس من حجر اليأس.
يا للجفري
بيديه مسبحة العراف
وسرخس أرقامه
يقرأ طالع الجمر.
فبأي صخور معراة للهبوب
نغسل مذابح الصحراء،
بأي هبوب قبري نشق مشيمة الغيب
وندثر بالنحيب سلالم القتلى.
لنشرب أيتها الحروف نخب معناك النكد
لماذا الكلمات مدن سقطت تماثيلها
والمعنى قبور أخمينية.
دلني يا لغز
فهذا الموت أثرى من قاموس عربي،
من دوزن حنجرة البرق
مَن زخرف بالكوفي قمح العدم
وزين قمم الحروف بيقظة ناطقة.
دلني يا نقش
فهذا آخر سومري،
لا نعاس الزقورة في أور
لا فؤوس الآثاريين
ولا قلم النحات
سيرسم بما تبقى من سراج مكسور حزمة سهامه
ويعري بيديه الهاذيتين أعماقه الموحشة
وأصعد يا جناز
صعد الدم الكاهن وصعدت الحاشية
صعد الملوك الوثنيون
وغبار الغزاة
وكليدار الأنين.
صعدت النقوش
التي نسيتها المذابح دون حجاب
فكسر عواء الذئاب ألواحها،
وصعدت مجرات تتوضأ من كوز الأبد.
وأنت منشغل بمكائد لها عكاز
تقبب زقورة الدم وتنحت حجره.
فلماذا تبعثر الحواس، يا مهندس
لماذا تسقف بالقرميد ارتعاش الرؤيا
وتهرول بين خرافة التأريخ وخريف حيران.
لماذا أهمل الرصاص الشاهدة
حين سعف بأشكاله مقابرنا.
ألهذا أعمارنا مكسورة كأقفال أضرحة خضراء
وجثة طوفانا محنطة بالمتاحف.
لا
لا توقظ الرفوف
يا مهندس
فليس لميتاتنا من فهارس.
هذه
شاهدة المراثي، وهذا ضريح النشيد
هذه
النسخة الممزقة من سحر بابل.
بابل يا محارق الرماد والأجساد
أهلنا على القبور تراب العنادل
فانتفضت المزارات مثل زنبرك الأريكة.
عمي شجنا أيتها المزارات
يا تلتنا المعشوشبة في حقول القتل.
عم شجنا أيها القتل
يا وثن مدائحنا ومرمر أكفاننا
قدمنا القرابين من الأطفال والماشية
أهدينا القمم هزال الحصان
ووهبنا الرحاب خراب الإسطبل
وعلقنا فوق انهدام النشيد الخواتيم والأدعية.
جبار من عطرنا بعطور المحنة
وفجر الثعابين في هياكل هلعنا
جبار من رفعنا كقباب محطمة.
هذه
النسخة الممزقة من سحر بابل،
سننشد أغنيات قاسية على مزامير وحشية
ونرتل ترنيمة وثنية على رفات العصف،
سنضرم حرائق عذراء فوق تلال نبيلة
وندفن مدائح ثكلى في أيقونة الرعد
سنفتح خزائن الدم بالدبكات
ونرفع الياقوت كبيرق في المعاجم.
غناء الجداجد استجمعت تروسه الغابات
والادغال
لا جهشات
لا أضرحة
وحدها التوابيت تقرص خدود أيامنا في شهوة
داعرة.
هذه
النسخة الممزقة من سحر بابل
بابل
ياجنائن الغرانيق والأنعام
أعطينا حبر الصيحة لنزور الأنين
أعطينا حكمة الزواحف لنبشر بالهزات الأرضية
أعطينا طقس المجنون لنكلم الضباب
أعطينا ايقيانوس الأعاصير لنقلب العالم
بفظاظة.
بابل
يا أحلامنا الناعقة كأوزة بين بجعات مغنيات
عاليا احملي أيتها البجعات عذراواتنا
المذبوحات.
الهياكل العظمية تلتهم بحنان الخرائب
والموت المهندس يملأ الباحات بالأرقام
والتوبيخات.
هذا ناقوسنا المجروح
يلوح لليقين المتعثر بمجاهيله.
هذا حبل صرخاتنا
يتدلى في مسرح الأقاليم كبتول منتحرة
هذا إنصاتنا
حداد الأدعية
يولول كبرق … يخيط بكورة الأفاق
هل
نعلق القذائف كالثريات
هل
تنام التوابيت في أسرتنا
ونتقافز كالعابثين على سروج الأنقاض.
أرخ يا غزو
نحن سهامك الطيعة
آه يا دروع
ما أجمل شارتك المنقوشة على مقبض الرؤيا
وما أروع درقة الرعد.
أرخ يا عويل
يا بهلول المراثي
اوتنابشتيم
أيها النباح البعيد لكلب يدلنا على كوخ
الخلود
أيها البذلة المسروقة من خزانة الآلهة،
سقوفك المضيئة غير مرئية
وعشبتك السحرية بعيدة المنال.
اوتنابشتيم
أنفض رماد سيجارك على شرفات حياتنا
أطعن وعول صرخاتنا برمح من خلودك.
هذه
النسخة
الممزقة
من
سحر
بابل.
خارج بركار الرسام
نشر الفلكي مظلته
فجاءت الحرب،
عندها
ضحكت مقلة القناص
وكسرت رقصة الزار أيقونة الكنسي
ومجد الصيادون نصبا لتخليد الطريدة
فارتدت الأرض تركة وعل،
أعني رعدا.
لكن
ليس بين الحرب والعمارة
إلا سقالة نسيها البناؤون
{ الموت }
ساحر ذو قرون يرسم أيائل حبلى
ليضاعف القطعان في يده رؤوس طرائده
وحول خاصرته اصطرلابه المكفوف
وبالتفاته الآثاري إلى هندسة تشبه مقبرة.
قلت هندسة
وعنيت الطفل المقتول
الذي ترقد على يديه قرون الأيائل.
قلت مقبرة
وعنيت الممرات
الملوثة بالأرواح.
وقلت الحرب
وعنيت
تحفتنا الفنية.
وفي لحظة خيل لي بأني
عنيت الملاك
الذي يرعى جداءه
قرب مساكن الرعاة،
لأعيد طلا ء الجماجم فوق السفوح
أزركشها بحشرات وخرائب،
راكضة في أروقة القواميس
تجئ نظراتي الحذرة،
شاردة
كعميان يطاردون قططا خزفية
في ظلمة أرواحكم.
مقتبسا الكلام
من لحظة احتضار الصقور
وإوزات مهلوسة،
أقنع الرمز بعصافير ضريرة
أغطي الأنين بكمنجات بكماء
محتفظا بالزلازل في الأدراج
وبالهضاب في حقول زجاجية
وبالصرخات في أكشاك الهاتف.
كبهلوان
أشبك الأشكال في سجاجيد المعنى
وأكتب
اللغة تشوه اللعثمة
والأعراب يفسد النادرة.
أيتها الكلمات
يا عنزاتي
يا قطيعي السعيد
لتجر ثيران الخيال
محراث الحبر إلى حقل النشيد،
سأنشد للتلال والأحراش
وأهتف أيها الخراب
أنت راعي القطيع وأنت سيده
سأريق على مذابحك دم حملاني
لك أقدم خفي الأرجواني وقرون غزلاني
لك الأضرحة حاضنة فراغات باذخة
والهياكل المحدقة من نافذة مواجعها
والقلق الضالع في نتف الموت مثل وشيعة
أيامنا المساقة بسياط الخسارة
وسراطين الصمت
والأصفاد
كلها لك.
ليزحف اللبلاب في أسراري
سأزوج البجعات إلى الخيول
والغزلان إلى التماسيح
وأفجر الثعابين فوق الجبال كالقذائف.
طلقي طيورك يا مدن العكاكيز
بريق القبور
يشع كنزهة في ريف الدم
وهذر
يعلن حداده.
وبالتفاتة
سنبل للقبر،
يشرق سعاة تائهون من الضباب
مثقلون بمجاديف وأبواق
حاملين أعياداً وثنية للظلمة.
ويشرق حدادون وخيميائيون
يطرقون حديدهم في العواصف
وبين قرون حيواناتهم تتناسل البروق.
لمسطرة المهندس لعبتها
وهي الكتابة :ـ
رئة مكسورة تتقن الحياكة بأََبرتين
أقاليم مسيجة بهوامش وشمعدانات
ريف هندوسي يمضي إلى حضن الأعالي
حافي القدمين
ليرمم مخلوقات الله.
فعلام ترهل الحكاية يا مهندس
وطينتك الاولى لم تشتعل، بعد، بالأحقاد
علام تزخرف ايقونات الضراعة ببهائم أسطورية،
وحبر فهارسك لم يشتعل، بعد، بالأختام
علام تعلق وحوشك البيضاء فوق جدران المراثي،
والادوار،
خدر مظلم
يهتك جلاله قنديل شاعر سكران.
هيا
أبعد رقصة الزار
أبعد زحل يا صاحب الخزائن
أبعد التقاويم والزيجات
أبعد حجر الذبيحة.
واقترب
ففي اللوح المكسور الذي أملى
على مدية مدماة
نصوصاً نادرة.
عاد الشاعر من الحرب
بساق واحدة
لذلك هو لا يعرف أن كان يتكهن أم يتذكر
لكنه الان
مأخوذ بالحيلة التي انطلت على الكتابة
بدلافين الحكاية هذه،
في هذا القناع
الذي تتشابه فيه جمجمة الحرب
ووجه العمارة.
كنت أقول :ـ
أقترب
ولكن قبل ذلك
أبعد الشعلة، كي لا تختلس النظر.
أبعد الملاك، قبل أن تمزقه الصرخات.
أبعد العاهات، بقية انسان تكفي.
وأذكر هنا :-
القتل
بهدوء بخيل ينشد صفحاته الممتازة.
الموتى
أرقام تتساقط من خصر المدينة الراقص.
الأكفان
تهبط كأجساد ملائكة بيض.
وقبالة التمثال النصفي للملاك العاري
يسهر الشاعر
ليكتب
على الوشاح الذي نسيه الملاك :ـ
لا خزائن لي
وكل مكاييلي خرزة في ميزان الجنون
أنا الناقص من النصوص والنقوش
أصلب الخط وأرجم الحروف،
ستعثر الأبجدية في لغتي
وتهندس المشيئة غموض راياتي.
تناسلي يا طرائد في دروعي
أنا شماعة الرايات
دمي يعربد
في حانات الوطن،
ولا جهات
إلا وتقصدني.
أقنعتي عصي محفور عليها أشكال وزخارف.
وليس في أحجيتي غير الحيتان.
يجمعني
كلام قال إني نعاجه الشاردة.
يهدمني
فأس قال إني هذيانه.
أنا السرطان العابر تضاريس سعالكم
سأرتجل العطاس
وأشعل الميراث بوصايا ماكرة،
وأكنس مداخن هذياناتكم
بالمغيب العاري فوق حصيرة الأفق.
اتبعني يا برق
سأزر قميص الغيب بالشظايا
وأفتح خزائنه الأرجوانية للنهب.
أرخ يا حبر نشيدي
أرخ يا عصف بذاري
سور الغامض صروحي
وأحتطب اللغز غابات دمي،
فعدوت
صوب اقاليم بعيدة المنال
أنشر النور ونياقه الشقر
فوق تلال نائية.
هاتفا:-
يا أوكار
يا مصحات
يا سجون وحجرات صراخنا
أنها ساقنا الخشبية
تتزلج
فوق جليد مواهبكم.
ارفعني يا برق
لا غيلان لي
غير هذا الموت الذي سأصحبه معي،
ليجمع مثلي سنابل الدم وزبيبه المتناثر.
لا خزائن لي
وكل مكاييلي
صيادون فلكيون
بسنارة الغيب
يصطادون
الهيكل العظمي للفراغ.
الفراغ
الذي يشبه حامل المعلقات
أحبه
لأنه ذكرني بترتيل قداس
يدعو الخاطئين إلى نزهة
في رواق الخراب.
خذني إليك
يا لحن العامة
الريح خبائي
ولا
أعرف قيامة.
خذني إليك
أيها الدهري
مداد الأحمر والأزرق في أزلي
ومعي محبرة.
المكان
هندسة تشبه مقبرة
مقبرة تشبه دمية مختلة الظل.
الوقت
كمان معتوه
يقود مومياء ثرثارة.
الحدث
قرصان يغرق بالتقسيط
أسرى أسميتهم ألفاظا.
قلت
في لعبة المخيلة
تتشابه الحرب والعمارة،
وكنت أقارن بين العمارة :ـ
كأنصاب
كمسلات
كجداريات
كمنحوتات،
وبين الحرب المشغولة البال
بتدوين المجازر بهندسة تزينيه.
وكان
غيما أحمر
يحتضن القباب
ويوشوشها سره:-
الحرب
هندسة غاشمة
تختزل أرواح الأمكنة.
هكذا هي الحرب
تجوع فتختفي مدينة
تعطش فيختفي نهر
تختنق فيختفي الفضاء.
هكذا هو الموت
حامل مصابيح القيامة
كي لا تضل الطريق
في الممرات.
هكذا هو الشاهد
أفق مهدوم على لغة نافرة،
فجر ممهور بالعميان،
نزف مختوم بالظلمة،
وهكذا هو الزمن
يرقص كمردوخ متنكر
" سأجمد الدم
سأبني الإنسان "
أما أنا فكنت أفسح للنهار مكانا
بين نقالات الجرحى
وأرى فيما يرى الفضاء الهارب
أني أمر بمقابر
لم يدفن بها أحد
لكني أسمع من يصرخ بي :ـ
كيف تمر بقبري
ولا تحييني …؟
سأسجل انتصار المهندسين
وموت الفضاء
سأنعم على العطش السجان
بالنياشين
والتبريكان.
وأشيد إمبراطوريات
من وشيعة الشدائد.
سأبدو شديد الولع
بالجيوش
والأساطيل
وأعتقل إسطرلاب المراثي
سألتقط صورة فوتوغرافية للقهقهة
وأسجن الصرخات
في أكشاك الهاتف.
سأتوج الفاجعة
بقبعة من خوص
وليدخل الموت الصيرفي
كسيد
إلى بورصة حياتنا.
وأهتف :
احتشمي يا قصتنا الفكاهية
توقفي يا أعطافنا الراقصة.
سأرهن أسناني المستعارة
وأذهب للرقص
وسأحشر زهرة بنفسجية
بين نهدي من تراقصني
وأقول لها :ـ
تفتحي أيتها الزهرة
في حديقتك،
توقدي أيتها الفتيلة
في سراجك.
سأتنكر لهجراتنا
وأسيج الأرض بأضرحة
من مهازل يبعثرها الغبار.
سأسلح اللفظ بالوجازة
وأعري الشطح
من وزرته السحرية.
وسيبارك كهان وأباطرة
حروبي.
وأهتف :ـ
هذه كتائبنا تمضي
شاهدة
بعد
شاهدة
والموت نقاشنا الماهر.
وكنت
أتوهم أن العظام أعمدة
والأصابع عقود
والحواس زخارف
والرؤوس قمم القباب.
أما الأجساد المرمية على التلال
فقد ذكرتني
بحلبة أقفلت أبوابها
لكنها نسيت
أن تخرج صرخات الحشود
والرهان الذي ركله السماسرة.
ونسيت الخسران الذي يحتل مكان الصدارة
والفوز الذي سيجته المقابر
بشواهد ويمام هارب
فجلس يتثاءب
وهو يركل الأوسمة
بحذاء مثقوب
وكنت
كلما أسمع الرصاص يطلق نكاته
أعمد إلى التناقض مع فكرة لي
سبق وأن قلتها في موضع آخر
لا لأقيد التصور
بل لأحرر التشتت.
وأنا أرى الصرخة محروقة كالجسد
والأعراس كقطيع من الطرائد
في ردائي.
والهاوية تتزين بأعضائي
وكثيراً ما خيل لي
إستخدام جسد الضحية
كعناصر أثاث :-
الجسد
قارورة من خزف.
الشماعات
عظام السيقان.
الستائر
جلد.
الأيدي المبتورة
أدوات للزينة.
الأشلاء
لوحات فظة على جدران الجص المنسلخ.
الأسنان
ثريات.
وكثيراً ما كنت أسأل :-
هل جاءت الحرب
رداً على ندرة عظامنا في المزابل
...؟
أم هي هدايا للذكرى...؟
تلقيناها من آلهة بلا وجه ولا آسم...؟
وأتصور
أنني أرسم المجازر بأشكال
كالتربيع
والتدوير
والتوريق
والدم فن الصباغة التصويرية...!
وأسأل
بعد هذا كله
كيف لا نجد مكانا لندخل فن الجداريات...؟
بأي جباه حجرية نحج إلى مزارات
تلمع في ضباب الروح...؟
بأي نزهة إنجيلية
نصل إلى إخضرار النفس...؟
بأيما كلام،
بأيما برد جميل،
نعتم نار الإشارة...؟
تلك بلاد طالعها السرطان
ما الذي ترين في موتها
يا شرفات...؟
أحضرت لقبر تذكاراتك الشمع والإنشاد.
وقبل
أن تقود بغالي النايات
سأفترض إني أكتبها
بالماء المجلوب من ينابيع عالية
بالجزر التي حفظت ذكرها الأساطير
بأبازيم
من ذهب مصقول
ومزخرف بغصينات رائعة
سأستعمل القبائل لترصيع الأقاليم
وأغسل في دلو الأبد صغار السفوح.
بالأبواق
النافخة في أوجار نائية
سأمضي مثل كتيبة صغيرة
بلا رايات خفاقة
ولا أناشيد حماسية
وحده قلبي الأمازوني
يقرع طبوله في الفضاءات الرحبة.
فأنا ماض لأدفن رابية روحي
في معابد بربرية
ودروب كئيبة
تتوسل فأل رفاتي.
ستمدين لي يد الصداقة أيتها الطبيعة
وتقودينني إلى مراقد الفاتحين الأبدية.
حيث
أحوازك الحكيمة
ومدائنك الساحرة
براريك الذكية
ووهودك الشاهقة
تحتشد لملاقاتي كأصنام مقدسة
وأنا أخطر بينها مثل أمير
حناناتي مكتوبة بأنفال وأعراف
دموعي تنفجر كمستودع أسلحة
وبروقي لا تصدقها مخيلة...!
بالأحضان
التي أصبحت أضرحة مرسومة
بالخط الكوفي
أشعل خورنق ميراثي بالعزلات
وأزين بأوراق سندسية سلاميات الدم.
اتسع يا تبريز العدم
بروقي تنجد أريكة التكوين
ورماد الملائكة يضع ندائفه على أكتافي
بمراكب
وأبنية تزينها الخزفيات
بمترس وخاطوف وحروب تذكارية
أقود كتائب التجريد إلى أندلس من التكوينات.
أرجع سراويل الغيم إلى الدكاكين
والقمر إلى فضة ميته.
والأبدية سأدعوها إلى الحفل كأي آدمي
وأترك القيامة على الباب تنتحب.
هكذا
أرمي سككي الحديد ومحطاتي
للحبر المتنكر بالممحاة.
هل تظل الصيحات أنهاري وشلالاتي...؟
هل تظل الكركرات أكاذيبي وبرلماني...؟
أين ذهبت يا أمجاد الصيف
تلك بلاد طالعها السرطان.
اشتعلي
يا سماواتنا المطفأة
أنها فضة أضرحتنا تلك التي أضاءت الأقاليم
دبكة للبلاد
المصيبة حقل
ونحن أعشابه العطاش.
دبكة للحروب
مثل سفينة منقرضة
هكذا صممت عظامنا.
دبكة للبلاد
دبكة للحروب.
كان في رأسي كابوس
سرقه شماس الهذيان
خبأه في قلاع لم يسمع بها أحد
لكني كلما أسمع بفيضانات كبرى
أو أصغي لزلازل بعيدة
أتذكره،
ربما
لهذا أفهم الرسائل المرمية إلى الآبار
وكلامي يلقي حكمة جديرة بالاعجاب.
وربما
كان أقصى كوكب في المجرة
هو أحد أطيافي
من يدري...!؟
ارفعنني يا شرفات
لا المهندس
لا قبطان الجهشة
لا نمور هذياني
لا تاج الأقاليم وجوسقها الملكي
لا حجارة الجرانيت بمارستانها وأيوانها
لا رشاقة الهيئة على باب المغفرة
لا روضات شيوخ المذهب وشاهات أسر الفروض
لا القباب المحلاة بالقاشاني
ولا عناية الهندسة،
سترخي عويلها على قطيع من الطرائد
حيث الملاك يجرجر أجنحته بين الدروب
وأنا
أقفل الفهارس على لوح مثلوم.
هامش للآثاري
في تمائمي
دم الأضاحي
لهذا أوقد شمعة النذر في الرقى
وأوشم ميقاتي في استحالة العدم.
في جنائني
ساحر عجائبي
يخلع أزياء تدهش كهنة الديانات
على وثنيات زنجية.
في موجي
ملاك أخضر
جمع العواصف في قارب
وجذف بالريش.
هذا
بازبندي
جبر عراف
وتعازيم كاهن
وحبر ما لا اسم له...